مع مواصلة المملكة العربية السعودية تسريع أجندة التحول الرقمي في إطار مستهدفات رؤية 2030، ينتقل الذكاء الاصطناعي والأتمتة من كونهما تقنيات ناشئة إلى محركات أساسية لإعادة صياغة أساليب عمل المؤسسات.
وتعيد الجهات الحكومية والشركات التفكير في نماذجها التشغيلية، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي والحوكمة والأمن وإعداد الكفاءات والبنية التحتية الرقمية القابلة للتوسع. في هذا الحوار، يستعرض الدكتور ضاري أبو حميد، نائب الرئيس الإقليمي - استشارات الحلول، الشرق الأوسط وأفريقيا في ServiceNow، رؤيته لمستقبل العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وما يميز السوق السعودي في مجال التحول الرقمي، والتحديات التي تواجه المؤسسات في تحويل استثماراتها التقنية إلى قيمة ملموسة، إلى جانب دور ServiceNow في دعم مسيرة التحول في المملكة وما بعد عام 2030.

* كيف ترون دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل طريقة عمل المؤسسات الحكومية والشركات في المنطقة خلال السنوات الثلاث المقبلة؟
- بدأت الجهات الحكومية والمؤسسات في إعادة التفكير بشكل جذري في كيفية بناء نماذجها التشغيلية حول الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الحالي، أضافت معظم المؤسسات تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى سير العمل القائم لديها، لكن خلال السنوات الثلاث المقبلة، نتوقع أن تنتقل المنطقة من مرحلة "كيف نطبق الذكاء الاصطناعي على عملياتنا؟" إلى مرحلة "كيف نعيد تصميم عملياتنا بحيث يكون الذكاء الاصطناعي في صميمها؟".
وهناك ثلاثة عوامل رئيسية نرى أنها ستحدد نجاح هذا التحول في المنطقة.
أولها الحوكمة. بدأت الجهات الحكومية والمؤسسات تدرك أن حوكمة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد متطلب للامتثال، بل ضرورة أساسية للأعمال. ونشهد في المنطقة تطور أطر تنظيمية تركز على الشفافية، وقابلية التدقيق، ووضوح المسؤولية عن القرارات التي تتخذها أنظمة الذكاء الاصطناعي. والمؤسسات التي تضع الحوكمة في صميم نموذجها التشغيلي منذ البداية ستكون أكثر قدرة على التحرك بسرعة وثقة.
ثانياً، المواهب والمهارات. فتطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يحتاج إلى كفاءات تجمع بين فهم التقنية وفهم سياق الأعمال. ولذلك، تواجه المؤسسات خياراً استراتيجياً بين استقطاب المهارات من الخارج أو الاستثمار في تطوير مهارات فرقها الحالية. ونرى أن المؤسسات الأكثر استعداداً للمستقبل هي التي تتعامل مع هذا الأمر باعتباره تحولاً طويل المدى في قدرات القوى العاملة، وليس مجرد احتياج مؤقت للمهارات.
أما العامل الثالث فهو السيادة. تتساءل العديد من المؤسسات في المنطقة اليوم عن كيفية بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على التحكم في بياناتها وتقنياتها وقراراتها الاستراتيجية، وتجنب الاعتماد المفرط على منصات أو مزودين خارجيين، خصوصاً في الجهات الحكومية والقطاعات الحيوية.
لذلك، أعتقد أن السنوات الثلاث المقبلة ستتمحور حول بناء المعرفة والقدرات المؤسسية التي تمكّن الجهات من امتلاك خارطة طريقها للذكاء الاصطناعي وإدارتها بشكل مستدام، بدلاً من الاعتماد بالكامل على أطراف خارجية لتنفيذ قدراتها الاستراتيجية.

* ما الذي يميز احتياجات السوق السعودي عن الأسواق العالمية عندما يتعلق الأمر بالتحول الرقمي وأتمتة العمليات؟
- تختلف السوق السعودية وأسواق دول مجلس التعاون الخليجي جذريًا عن كثير من الأسواق العالمية، لأن التحول فيها تقوده الجهات الحكومية، وليس قوى السوق وحدها. وهذا هو الاختلاف الهيكلي الأساسي.
في معظم الأسواق العالمية، يحدث التحول الرقمي بصورة عضوية، حيث تتنافس المؤسسات وتبتكر وتطور أعمالها وفق جداولها الزمنية، بينما تستجيب الحكومات لهذه التطورات وتعمل على تنظيمها. أما في المنطقة، فالمعادلة معكوسة؛ إذ تضع الحكومة المعايير وتحدد وتيرة التحول، ثم تتبعها المؤسسات. ما يميز المملكة هو وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ والتكامل بين الأولويات الوطنية والتحول المؤسسي. فقد وضعت رؤية السعودية 2030 مساراً واضحاً لتحديث الخدمات، ورفع كفاءة العمليات، وتحسين تجربة المستفيد، وتطوير اقتصاد رقمي أكثر تنافسية، وهو ما أسهم في تسريع وتيرة التحول في القطاعين الحكومي والخاص.
وما يمنح هذا النموذج قوته هو الجمع بين مركزية اتخاذ القرار ووجود تفويض واستراتيجية وطنية واضحين. فقد أوجدت استراتيجية المملكة توجهًا موحدًا عبر مختلف القطاعات نحو التحديث والرقمنة وتحسين تجربة المواطن والعميل وغيرها من الأولويات. كما عملت الحكومة بصورة منهجية على تقليص الإجراءات البيروقراطية وتبسيط العمليات، وأرست معايير جديدة للكفاءة والشفافية.
ويُحدث ذلك تأثيرًا متتابعًا في مختلف قطاعات الاقتصاد. فالمؤسسات التي تتعامل مع الجهات الحكومية أصبحت مطالبة بالعمل وفق مستويات الكفاءة الجديدة التي أرستها الحكومة. ويشمل ذلك عمليات المشتريات والامتثال وإعداد التقارير وتقديم الخدمات، إذ يتعين على جميعها تلبية معايير رقمية بالدرجة الأولى، لأن المنصات الحكومية أصبحت بوابة أساسية لممارسة الأعمال.
لكن الأمر يتجاوز مجرد تلبية متطلبات الامتثال. فالتركيز على المواطن يدفع الجهات الحكومية إلى التنافس في تقديم أفضل تجربة رقمية، وهو ما يحفز الابتكار ويرسي معايير مرجعية تتبناها المؤسسات داخليًا بعد أن تلمس فاعليتها. فإذا كانت الخدمات الحكومية مبسطة وفعالة، فمن الطبيعي أن تكون العمليات الداخلية للمؤسسات كذلك أيضًا.
ويكمن الاختلاف في وضوح الاتجاه ومواءمة الجهود. فالجميع في السوق يتحرك نحو الوجهة نفسها لأنها محددة بوضوح. ولهذا يحدث التحول الرقمي هنا بوتيرة أسرع وبصورة أكثر تكاملًا من الأسواق التي تعمل فيها كل مؤسسة على تحديد مسارها بصورة منفردة.
بالنسبة لنا في سيرفس ناو، هذه البيئة تجعل المملكة سوقاً مهماً للغاية، لأنها تجمع بين الطموح الرقمي على نطاق واسع، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والرغبة في تحقيق نتائج ملموسة للمواطنين والعملاء والموظفين.

* كيف تساعد سيرفس ناو المؤسسات على الانتقال من مجرد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بناء منظومة عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل متكامل؟
- هذه هي المرحلة التي تتعثر عندها معظم المؤسسات. فقد تطبق «تشات جي بي تي» أو أحد النماذج اللغوية الكبيرة، ثم تتساءل: «ما الخطوة التالية؟». فهي تكون قد اشترت الأداة، لكنها لم تبنِ النموذج التشغيلي الذي يجعل هذه الأداة قادرة على تحقيق قيمة فعلية.
ويكمن الاختلاف الجوهري بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وبناء أساليب عمل متكاملة قائمة عليه في التنسيق والحوكمة. فأداة الذكاء الاصطناعي تكون عادةً معزولة؛ إذ تتم إضافتها في موضع معين لتنفيذ مهمة واحدة بكفاءة. أما أسلوب العمل القائم على الذكاء الاصطناعي فهو متكامل ويمتد عبر عمليات وفرق ومصادر بيانات متعددة، كما يكون خاضعًا للحوكمة وقابلًا للتدقيق ومرتبطًا بنتائج واضحة.
وهنا يأتي دور سيرفس ناو. فنحن لا نقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة، بل نساعد المؤسسات على تنسيق استخدامه عبر نموذجها التشغيلي بالكامل. ويعني ذلك ربط الذكاء الاصطناعي بالعمليات التي تدير الأعمال فعليًا، وضمان إمكانية تتبع القرارات التي يتخذها والتزامها بأطر الحوكمة التي أشرنا إليها، إلى جانب ربط مخرجات إحدى العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بمدخلات عملية أخرى، بما يرسخ منظومة متكاملة بحق.
لكن هناك جانبًا غالبًا ما يتم تجاهله. فعند أتمتة العمليات وتنسيق الذكاء الاصطناعي عبر البنية التحتية، تحتاج المؤسسة أيضًا إلى رؤية شاملة لما هو متصل وما يتم تشغيله والموارد التي يجري الوصول إليها. وإذا تم إدخال بيانات حساسة في سير عمل مدعوم بالذكاء الاصطناعي من دون فهم كامل لمنظومة الأصول والأجهزة، فإن المؤسسة تكون قد أنشأت نقطة عمياء أمنية. فلا يمكن حوكمة ما لا يمكن رؤيته.
ولهذا يجب دمج الرؤية الأمنية في نموذج التشغيل القائم على الذكاء الاصطناعي منذ البداية. ويتطلب ذلك فهم طبقة البنية التحتية ومسارات تدفق البيانات ونقاط الضعف المحتملة أثناء عملية التنسيق.
فعلى سبيل المثال، قد تستخدم جهة حكومية أو مؤسسة في المنطقة الذكاء الاصطناعي لمعالجة المستندات أو تنظيم الجداول أو اكتشاف الحالات غير الاعتيادية عبر أنظمة مختلفة. ولكن إذا كانت هذه الاستخدامات عبارة عن حلول منفصلة وغير مترابطة ولا تستند إلى أساس أمني موحد، فلن تكون المؤسسة قد حققت تحولًا حقيقيًا. بل ستكون قد استبدلت مهمة يدوية بمهمة ينفذها الذكاء الاصطناعي، مع إنشاء مخاطر أمنية جديدة.
ما نقوم به مختلف؛ إذ نبني النسيج الرابط الذي يحول هذه القدرات المنفصلة إلى منظومة متكاملة وموحدة وخاضعة للحوكمة، قادرة على إحداث تغيير فعلي في طريقة عمل المؤسسة، مع دمج الأمن والرؤية الشاملة باعتبارهما عنصرين أساسيين منذ البداية، وليس إضافة لاحقة.

* مع تسارع التحول الرقمي في السعودية، ما أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات في تحقيق عائد ملموس من استثماراتها التقنية؟
- يتمثل التحدي الأول في تعقيد التكامل. فقد بنت المؤسسات حلولًا منفصلة عبر أجزاء مختلفة من عملياتها؛ نظام جديد لتخطيط موارد المؤسسة في جانب، ومنصة سحابية في جانب آخر، إلى جانب أنظمة قديمة لا تزال تدير عمليات حيوية بالتوازي مع الأنظمة الحديثة. وعند السعي إلى تحقيق الأتمتة والذكاء بصورة متكاملة من البداية إلى النهاية عبر هذه البيئة، يصبح العمل المطلوب لربط الأنظمة وتنسيقها هائلًا.
ولا يمكن استخلاص القيمة من أنظمة معزولة، بل يجب أن تكون هذه الأنظمة قادرة على التواصل وتبادل البيانات وتنسيق العمليات فيما بينها. وغالبًا ما تؤدي أعمال التكامل هذه إلى تأخر الجداول الزمنية وتضخم الميزانيات.
أما التحدي الثاني فهو الانضباط في تخصيص الميزانيات. فبعض المؤسسات تفرط في الإنفاق مبكرًا على شراء قدرات ليست جاهزة بعد لتطبيقها، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وهدر الموارد. وفي المقابل، تقلل مؤسسات أخرى إنفاقها للسيطرة على التكلفة الأولية، لكنها تتجاوز البنية التحتية الأساسية التي تحتاج إليها لإنجاح التحول.
وفي الحالتين، تجد المؤسسة نفسها أمام بيئة هشة، إما لأن التقنية تظل غير مستخدمة، أو لأنها لا تستطيع العمل بالكفاءة المطلوبة عند التوسع. ويتمثل الانضباط المطلوب هنا في معرفة الأساس الذي يجب بناؤه قبل الاستثمار في أي قدرات إضافية.
أما التحدي الثالث فهو غياب خط أساس واضح للقياس. إذ تبدأ مؤسسات عديدة رحلات التحول من دون تحديد محركات القيمة أو المقاييس الأساسية التي ستقارن النتائج بها. وبعد تطبيق الحل وتشغيله، تبدأ المؤسسة بالتساؤل: «ما الذي ينبغي لنا قياسه الآن؟». وفي تلك المرحلة، يكون قد فات الأوان لتوثيق الوضع السابق للتحول.
ومن دون تحديد خط الأساس والاتفاق مسبقًا على شكل النجاح والنتائج المستهدفة، لن تتمكن المؤسسة من إثبات القيمة التي حققتها استثماراتها. وهذه في الأساس مشكلة تخطيط، وليست مشكلة تقنية.

* ما هي رؤيتكم للسوق السعودي خلال السنوات القادمة، وما الدور الذي تطمح سيرفس ناو إلى لعبه في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030؟
- لا تتمحور المرحلة المقبلة في المملكة العربية السعودية حول بناء القدرات فحسب، بل حول توسيع نطاق ما تم بناؤه، وتسريع تنفيذ برامج التحول القائمة، والاستعداد لما بعد عام 2030. ويتطلب ذلك نهجًا مختلفًا بصورة جوهرية عن النهج الذي طبع المرحلة الأولى من رؤية السعودية 2030.
ويتمثل العمل الحقيقي في المرحلة المقبلة في تطبيق الحوكمة على نطاق واسع. فكلما زادت المؤسسات من أتمتة عملياتها وربط أنظمتها وتطبيق الذكاء الاصطناعي عبر العمليات الحيوية، أصبحت الحوكمة عاملًا حاسمًا. فلا يمكن التحرك بسرعة من دونها، كما لا يمكن الوثوق بما يتم بناؤه في غيابها.
ويتمثل دور سيرفس ناو في مساعدة المؤسسات السعودية الحكومية والخاصة على تحقيق ذلك تحديدًا. فنحن نمكّن التحول على نطاق واسع، مع دمج الأمن والحوكمة وممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول منذ البداية، بدلًا من إضافتها في مراحل لاحقة.
كما نساعد المؤسسات على الحفاظ على مرونتها مع تغير المتطلبات وظهور أولويات جديدة، ولكن ضمن بيئة خاضعة للحوكمة وقابلة للتدقيق. ونوفر البنية الأساسية التي تمكّن المملكة من مواصلة تسريع تحولها إلى ما بعد عام 2030، من دون فقدان السيطرة أو المساس بالأمن.
وستكون المؤسسات الأكثر نجاحًا في المرحلة المقبلة هي القادرة على التحرك بسرعة مع الحفاظ في الوقت نفسه على حوكمة محكمة. وهذا تحديدًا ما نعمل على تمكينه.