اطلعت على الأرقام التي حققها المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور 2026 بعد ختام أعماله، وأعتقد أن قراءتها اقتصاديا أهم من الاكتفاء بتسجيلها كحصيلة لمبيعات استمرت 21 يوما. أكثر من 33 مليون ريال قيمة مبيعات، وحوالي 2269 صقرا مباعا، ومشاركة 102 مزرعة من 24 دولة، هذه الأرقام تضع أمامنا سوقا متخصصة بدأت تكشف عن حجمها وقدرتها على جمع العرض والطلب ورأس المال في مكان واحد.

الرقم الأول الذي يستحق التوقف عنده هو حجم المبيعات الذي تجاوز 33 مليون ريال في نشاط شديد التخصص، يعني وجود طلب قادر على استيعاب إنتاج كبير ومتعدد المستويات السعرية، ويقدم مؤشرا أوليا على حجم الأموال المتداولة داخل السوق.

أما الرقم الثاني فهو أكثر دلالة على بنية السوق نفسها؛ 102 مزرعة من 24 دولة حضرت إلى الرياض بإنتاجها، وهذا يعني لنا ظهور القيمة الاقتصادية الأهم للمزاد، المنتج المحلي لم يعد يتحرك داخل نطاق ضيق من المشترين، والمشتري لم يعد يحتاج إلى البحث عن الإنتاج بين أسواق ودول متعددة، جمع هذا العدد من المنتجين والمشترين في سوق واحدة يقلص المسافة بين طرفي الصفقة، ويرفع مستوى المنافسة، ويتيح مقارنة مباشرة بين الإنتاج والأسعار والمواصفات.

وفي عالم الاقتصاد، السوق الناضجة تحتاج إلى قدر من الشفافية في اكتشاف السعر، والمزاد الذي ينظمه المركز الوطني للصقور في الرياض يؤدي جزءا من هذه الوظيفة بصورة واضحة، خلال 12 ليلة مزاد. لم تكن الأسعار موضوعة سلفا، وإنما تشكلت عبر المنافسة بين المشترين، أبرز مثال على ذلك الصقر الذي بدأت المزايدة عليه من 200 ألف ريال وانتهت عند 1.3 مليون ريال كما ورد في منشورات، ليصبح أغلى صقر بيع هذا العام وثاني أغلى صقر في تاريخ المزاد.

هذه الصفقة قد تبدو استثنائية إذا قرأناها منفردة، لكنها اقتصاديا تكشف عن آلية تقييم تتجاوز الشكل أو الندرة، الصقر لدى بعض المشترين أصل إنتاجي، المزرعة التي تدفع قيمة مرتفعة للحصول على صقر بخصائص محددة قد تنظر إلى الصفقة ضمن دورة استثمارية تمتد إلى برامج الإكثار وتحسين خطوط الإنتاج ورفع قيمة الإنتاج المستقبلي، هنا ينتقل السعر من تكلفة شراء إلى قرار استثماري تحكمه توقعات العائد.

وهذا يقود إلى جانب آخر في الأرقام، بيع 2269 صقرا يعني وجود آلاف العمليات التي تسبق الصفقة وتليها، هناك إنتاج وتربية ورعاية بيطرية وتغذية ونقل وتجهيز وتدريب وأدوات متخصصة وخدمات تنظيمية ولوجستية، لذلك فإن قيمة الـ33 مليون ريال تقيس المبيعات المباشرة داخل المزاد، لكنها لا تقيس كامل النشاط الاقتصادي المرتبط بهذه الصفقات.

من هذه الزاوية، يصبح المزاد منصة لسلسلة قيمة متخصصة، المزرعة تنتج الصقور، والخدمات البيطرية تدعم الإنتاج، وشركات النقل والخدمات اللوجستية تنقل الصقور، وموردو التجهيزات يخدمون المربين والصقارين، ثم يأتي المشتري الذي يعيد إدخال بعض الصقور في دورة الإنتاج أو المنافسات، وكلما اتسع السوق، اتسعت معه الحاجة إلى هذه الخدمات.

المشاركة الدولية بدورها تحمل أثرا اقتصاديا يتجاوز عدد الدول، فوجود منتجين ومزارع رائدة من 24 دولة يمنح المزارع السعودية فرصة لمقارنة إنتاجها مباشرة بخطوط إنتاج عالمية، وشراء ما تحتاج إليه لتطوير برامجها، ومراقبة اتجاهات الطلب والأسعار. وفي الاتجاه الآخر، يضع المنتج المحلي أمام مشترين ومنتجين دوليين في سوق واحدة، وهذه البيئة التنافسية ترفع أهمية الجودة وتدفع المنتج إلى قراءة السوق على أساس تجاري، لا على أساس الإنتاج وحده.

هناك أيضا فارق اقتصادي بين سوق موزعة وصفقات متفرقة، وسوق منظمة تلتقي فيها الأطراف خلال فترة معلومة وتحت إجراءات واضحة، والتنظيم هنا يخفض جزءا من تكلفة البحث والوصول إلى المشترين والمنتجين، ويزيد فرص إتمام الصفقات، ويمنح السوق نقطة تجمع معروفة دوليا، ومع مشاركة 102 مزرعة، يصبح هذا التجمع نفسه قيمة اقتصادية.

لذلك لا أقرأ 33 مليون ريال كرقم ختامي للمزاد، أراه مؤشرا على نشاط اقتصادي يتشكل حول الصقور ويملك سلسلة قيمة خاصة به، والتحدي في السنوات المقبلة سيكون في تحويل هذا النمو إلى سوق أعمق، تستطيع زيادة مشاركة المنتج المحلي، وتطوير الخدمات المحيطة بالإنتاج، وجذب مزيد من المشترين والمنتجين الدوليين، وبناء بيانات تراكمية عن حركة الأسعار والطلب، عندها يصبح قياس نجاح المزاد أوسع من إجمالي المبيعات السنوية، ليشمل حجم الأعمال التي يولدها، والاستثمارات التي يحفزها، والقيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المحلي.

المزاد بدأ من موروث راسخ في المجتمع السعودي، لكن الأرقام التي اطلعت عليها تقول إن لهذا الموروث اليوم وجها اقتصاديا يستحق أن يُقرأ بلغته أيضا، وسوقا ينمو عاما بعد آخر.