ليست غزة اليوم مجرد بقعة منكوبة على خريطة تحرقها الحروب، ولكنها تمثل واحدة من أعمق المآسي التي تابعتها وكابدتها الإنسانية في عصرنا الحاضر؛ مأساة جلية تتمثل أمام الجميع بكل بشاعتها، في زمن تستطيع فيه الكاميرا أن تنقل أنين طفل، وإزهاق أرواح المرضى والعجزة، وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وأرتال النازحين، وطوابير الجائعين، ومستوطنات مواجهة خشم البندقية، في لحظات لا يمكن شطبها من ضمير البشرية.

لا أريد البحث عن أسباب تمييع الكارثة، ولا الدخول في جدل أعمى يبرر ما يحدث أو يحاول أن يمنح الدموية شرعية سياسية.

فالأسباب لا تمنح أحدا حق تجريد الإنسان من أبسط حقوقه وإنسانيته، ولا سحق المدنيين وتدمير منازلهم ومخيماتهم وتجويعهم وتهجيرهم بتبريرات لا يمكن قبولها مهما حاول الخطاب السياسي خلق الأعذار لها.

ما نراه في غزة يتجاوز قدرة اللغة على التعبير، والضمير على الاحتمال؛ منازل تهدم فوق أهلها، أحياء تتحول إلى ركام، مستشفيات تدك على الجرحى والمرضى، خدمات منعدمة، وجوعى يلاحقون لقمة أو جرعة ماء وكأن الحياة نفسها أصبحت معركة يومية ضد الفناء.

إنسان يهجر كل يوم لاتجاه، يحمل ما استطاع حمله، وينصب خيمته الرثة، قبل أن يجد نفسه مضطرا في دورة تهجير لا تنتهي.

مقابر عشوائية تحكي، وأطفال تزهق أحلامهم في الخيام، ونساء يعشن الخوف بدل الأمان، وشيوخ يقاومون الجوع والمرض والبرد والحر، فيما تتقلص أمامهم الحياة وسط مساحة ضيقة للنجاة لا أكثر.

اعتقالات وتعذيب وانتهاكات تعسفية، في مناظر تضع الضمير الإنساني أمام أزمات لا يستطيع حلها ولا حتى تبرير صمته تجاهها.

محكمة العدل الدولية حاولت كثيرا، وأصدرت القوانين والتدابير الرادعة، والتي تحاول إحياء اتفاقية منع الإبادة المغيبة، واتخاذ إجراءات لحماية المدنيين العزل، لكن الفجوة بين التحرك السياسي والقانوني وبين الفواجع التي تحدث على أرض الواقع تظل مؤلمة وواسعة، ومخجلة في آن واحد.

خرج ملايين البشر محتجين من مختلف شوارع الحضارة الإنسانية، وارتفعت أصوات الاحتجاج، وأرسلت قوافل المساعدات، وتم منعها بالقوة، وتحركت منظمات وأفراد وجماعات لا يجمعها شيء سوى الشعور بالخزي كون الإنسان الضعيف لا ينبغي أن يترك وحيدا في مواجهة قسوة الفناء والقهر، بمفارقات مزرية مبكية.

وكل ذلك يصطدم بجدران سياسات دولية شديدة الخوف، مائلة الكيل، ما جعل المأساة تستمر، مع حرص الإعلام المريض المنافق على توجيه أنظار العالم إلى أخبار تافهة بقصد التعمية، وصناعة واقع بديل يخفي الحقائق.

غزة وجع في الضمير الإنساني يضع أمام مستقبل البشرية أسئلة أبسط وأشد قسوة:

فمتى يقف العالم مع من كان ضعيفا ومحاصرا وجائعا ومهجرا، ولا يملك إلا هرمونات جسده الناحل وأطفاله المرضى، ووهم حقه في البقاء؟

حين يصبح الموت خبرا يوميا، والجوع مشهدا عاديا، والخراب منظرا مألوفا، فإن المأساة لا تعود لغزة وحدها؛ بل تصبح اختبارا للإنسانية برمتها، يكشف هشاشة القيم التي يتغنى بها العالم.

وإذا عجز العالم عن إيقاف هذا الفحش والتخريب والنزيف الدائم، فليس أخطر ما يموت في غزة الإنسان، بل خلاصة حضارة وإيمان البشرية بأن هذه الحياة لم تعد جديرة بأن تعاش، بترك الإنسان الضعيف بلا حماية ولا عدالة ولا قانون، ولا كلمة حق!