نور السماء النادي في أسماء الهادي.. وكمال الخلق الرصين في شمائل الصادق الأمين
عبدالله علي بانخر4 دقائق للقراءةحجم الخط
بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، نتشرف بتسليط الضوء على جوانب من عظمة صاحب هذه الذكرى، مذكرين أنفسنا والمسلمين بأسمائه الشريفة وصفاته المنيفة، مستندين في ذلك إلى المصادر الشرعية السليمة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
أنوار المولد النبوي
ومقاصد الذكرى الشريفة
إن الله سبحانه وتعالى بعث في العالمين رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكان النور الهادي والسراج المنير. وتشكل ذكرى المولد النبوي فرصة سانحة لتسليط الضوء على جوانب العظمة في شخصية صاحب الرسالة، وتذكير المسلمين بأسمائه الشريفة وصفاته المنيفة، تفاديا للغفلة عن الهدي النبوي وتأكيدا على عالمية هذه الرسالة وخلودها.
دلالات الأسماء النبوية الشريفة
ومعانيها في الوحيين
لم تكن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مجرد علامات للتعريف، بل هي نعوت تشير إلى كمالات ومحامد استحقها بفضل الله عليه، وقد ثبتت هذه الأسماء في نصوص الوحي من الكتاب والسنة:
- محمد: هو الاسم الأشهر، ويعني المحمود مرة بعد مرة، وصاحب الخصال الحميدة التي لا تحصى، وقد ورد في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الأحزاب: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}.
- أحمد: هو أحمد الخلق لربه، وهو الاسم الذي بشر به عيسى عليه السلام كما جاء في سورة الصف: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}.
- الماحي والحاشر والعاقب: ثبتت هذه الأسماء نصا في صحيح البخاري ومسلم من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». والعاقب هو الذي ليس بعده نبي.
- المقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة: ثبتت هذه الأسماء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». والمقفي هو الذي قفى على آثار من سبقه من الأنبياء وخاتمهم.
الشمائل النبوية وتفاصيل الخلقة الشريفة
وصف الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدق التفاصيل، فكانوا ينظرون إلى وجهه فيرون فيه ضياء القمر، ومن أبرز ما ثبت في شمائله:
- بهية الوجه وإشراق اللون: كان صلى الله عليه وسلم أبيض مشربا بحمرة، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، وإذا سر استنار وجهه، وقد جاء في صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه لما سئل: أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: «لا، بل مثل القمر».
- تفاصيل العينين والشعر: كان واسع العينين، شديد سواد الحدقة، طويل الأشفار. وكان شعره شديد السواد، رجلا (ليس بالسبط المسترسل ولا بالجعد القطط)، وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: «كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أذنيه وعاتقه».
- قوام البدن وعرض المنكبين: كان مربوعا (متوسط الطول)، عريض ما بين المنكبين، ضخم الكفين والقدمين، وإذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب، وهي مشية أولي العزم والهمة، كما وصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي.
كمال الأخلاق النبوية والرحمة
المهداة للعالمين
إن أعظم وثيقة في وصف أخلاقه هي شهادة رب العالمين له في سورة القلم: {وإنك لعلىٰ خلق عظيم}، وقد لخصت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا الكمال فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه حين سئلت عن خلقه فقالت: «فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن».
- فيض الرحمة ولين الجانب: كان أبعد الناس عن القسوة، مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، فشملت رحمته الصغير والكبير، والجماد والحيوان.
- الصدق والأمانة قبل البعثة وبعدها: عرف بين قريش بالصادق الأمين قبل أن يوحى إليه، ولما جهر بالدعوة لم يجدوا عليه كذبة واحدة، وظلوا يودعون أماناتهم عنده حتى أذن الله له بالهجرة.
- الجود والشجاعة في الميادين: كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس».
- الحلم والعفو والانتصار لحرمات الله: كان لا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل».
أثر التأسي بالاقتداء النبوي
في واقع المسلم
إن معرفة أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته ليست مجرد ترف فكري أو معلومات تاريخية تسرد في المناسبات، بل هي الوقود الإيماني الذي يغذي المحبة في القلوب. إن التذكير بهذه السيرة العطرة في ذكرى المولد النبوي يدعو المسلمين كافة إلى مراجعة السلوك والأخلاق، وعرضها على مرآة الأخلاق النبوية، لتكون النتيجة اقتداء حقيقيا وتأسيا صادقا يثمران الفوز برضا الله ومرافقة نبيه في جنات النعيم.
