تعتمد صناعة السينما بشكل أساسي على جودة الفيلم لجذب الجمهور وتعمل الحملات التسويقية على تشكيل توقعات المشاهدين وتوجيه قراراتهم قبل دخول قاعة العرض، ومن خلال الإعلانات الدعائية والملصقات والمقاطع الترويجية ووسائل التواصل الاجتماعي تستطيع شركات الإنتاج تضخيم الفيلم عبر تضخيم أهمية شخصية معينة، أو توحي بأن الأحداث واقعية، أو تستهدف جمهورا يختلف عن الجمهور الذي يناسب طبيعة العمل فعليا.

ويثير هذا الأسلوب إشكالية مهمة تتمثل في الحدود الفاصلة بين الإبداع التسويقي المشروع والتضليل الإعلامي، فقد تنجح بعض الحملات في رفع الإقبال والإيرادات خلال الفترة الأولى من العرض، ولكنها قد تترك في المقابل فجوة بين الصورة التي رسمها الإعلان والتجربة التي يقدمها الفيلم، وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما يعتمد قرار المشاهدة على معلومة جوهرية مثل ظهور ممثل مشهور، أو تصنيف الفيلم كعمل عائلي، أو تقديم مشاهده على أنها تسجيلات حقيقية.

ما يقصد بالتضليل التسويقي استخدام مواد أو رسائل ترويجية تخلق لدى الجمهور تصورا غير دقيق عن طبيعة الفيلم أو قصته أو أبطاله بهدف زيادة الفضول والمبيعات والإيرادات، ولا يكون التضليل دائما كذبا صريحا، فقد يحدث من خلال الانتقاء والمبالغة وإخفاء معلومات مهمة.

ومن أساليب التضليل في تسويق الأفلام تقديم الفيلم بصورة تختلف عن مضمونه، فقد يسوق الفيلم أحيانا باعتباره كوميديا أو مغامرة عائلية وفي الأصل يحتوي على عنف أو جريمة، ويؤدي إلى جذب جمهور لا يتناسب مع طبيعة الفيلم الحقيقية كما حدث في تسويق فيلم Kangaroo Jack بوصفه مغامرة عائلية تتمحور حول كنغر ناطق، وهذا الإخفاء لنوع الفيلم السينمائي الحقيقي يعد تضليلا إذا أدى إلى توقعات خاطئة من الجمهور.

كذلك المبالغة في أهمية شخصية أو ممثل مثل ظهور «آنا دي أرماس» في الإعلان رغم حذف دورها من الفيلم النهائي ضمن فيلم Yesterday، واستخدام مشاهد غير موجودة في النسخة النهائية، وتتضمن بعض الإعلانات مشاهد حذفت لاحقا أو لقطات صورت خصيصا للإعلان ولا تظهر في الفيلم، ويؤدي ذلك إلى دفع الجمهور إلى الاعتقاد بأن هذه المشاهد جزء أساسي من القصة ليشعر المشاهد بالخداع بعد مشاهدة العمل.

ومن أكثر الأساليب استخداما اجتزاء المشاهد وإخراجها من سياقها في مشهد قصير أو جملة معينة بطريقة توحي بأن الفيلم يدور حول موضوع المشهد، في حين أن المشهد لا يمثل القصة العامة، لأن الإعلان يختار عادة أكثر اللحظات إثارة حتى لو كانت هامشية في العمل.

وتلجأ بعض أفلام الرعب إلى تقديم قصتها باعتبارها مبنية على وقائع حقيقية أو إلى استخدام الأسلوب الوثائقي والتسجيلات المفقودة لإقناع الجمهور بأن ما يراه حقيقي، ووظفت هذه الخدعة في فيلم The Blair Witch Project من خلال موقع الكتروني ومواد دعائية دعمت الاعتقاد بأن الشخصيات اختفت فعلا.

وتستخدم بعض الحملات لقطات لمشاهدين يصرخون أو يبكون أو يبدون إعجابا شديدا بهدف إقناع الجمهور بأن الفيلم تجربة استثنائية لا ينبغي تفويتها لتصبح ردود فعل الجمهور نفسها محور الإعلان بدلا من شرح قصة الفيلم كما ظهر في الحملات الترويجية لفيلم Paranormal Activity.

وتساهم العبارات المقتبسة من النقاد السينمائيين بأن الناقد منح الفيلم تقييما مرتفعا لبناء صورة إيجابية، رغم أن المراجعة الكاملة كانت أكثر تحفظا أو سلبية، ويعرف ذلك بانتقاء الاقتباسات بهدف تحسين الصورة النقدية للعمل والتلاعب بالملصقات والصور الدعائية، وإطلاق الإشاعات حول نهاية الفيلم أو ظهور شخصية مشهورة أو ارتباطه بأحداث حقيقية من دون نفيها أو تأكيدها، ويهدف هذا الغموض إلى زيادة النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي وتحويل الجمهور إلى وسيلة مجانية للترويج.

وتعتمد بعض الحملات على آراء مؤثرين أو حسابات تبدو مستقلة بينما تكون مرتبطة تجاريا بالأستوديو المنتج أو تحصل على مقابل مالي، وتستخدم تقييمات أو تعليقات مصطنعة لخلق انطباع بوجود إجماع جماهيري إيجابي.

ضمن هذه الأساليب يتراوح التضليل التسويقي بين المبالغة الفنية المقبولة والإعلان الكاذب أو المضلل قانونيا والفارق الأساسي في مدى تأثير الرسالة على قرار المشاهد، فإذا كانت الحملة تبرز جانبا من الفيلم مع الحفاظ على صورة عامة صحيحة فهي استراتيجية ترويجية، أما إذا أخفت معلومة جوهرية ونسبت الفيلم إلى شخصية أو أحداث أو نوع لا وجود له في النسخة النهائية فإنها تقترب من التضليل، والتضليل هنا قد ينجح في جذب الجمهور وتحقيق إيرادات مرتفعة في البداية، ولكنه قد يؤدي لاحقا إلى انخفاض التقييمات وفقدان الثقة ونشوء نزاعات قانونية بين الجمهور وشركات الإنتاج.

ومن الأمثلة البارزة فيلم The Blair Witch Project المنتج عام 1999 فقد روجت الحملة لفكرة أن الشخصيات اختفت فعلا، وأن التسجيلات المعروضة هي مواد عثر عليها مع استخدام موقع الكتروني ومواد شبه وثائقية دعمت الأسطورة، وبلغت إيرادات الفيلم نحو 245 مليون دولار رغم أن تكلفة الإنتاج لم تتجاوز 35 ألف دولار، وتصفه كلية ستانفورد لإدارة الأعمال بأنه نموذج بارز للتسويق الفيروسي.

وفي فيلم Paranormal Activity 2007- 2009، بنيت الحملة التسويقية على تصوير الفيلم كأنه تسجيلات حقيقية أو تجربة مرعبة واقعية، واستخدمت لقطات ردود فعل الجمهور وشعار «Demand It» لإيهام المشاهد بأن الإقبال الشعبي هو الذي يفرض عرض الفيلم في مدينته، وحقق الفيلم نحو 193.4 مليون دولار عالميا وفق بيانات التذاكر العالمية، مقابل ميزانية إنتاج منخفضة جدا. ويشكل الفيلم مثالا على التسويق الفيروسي وتحويل فيلم رعب محدود التكلفة إلى ظاهرة جماهيرية من خلال المزج من الإيهام بالواقعية والتسويق التفاعلي.

كذلك صورت الإعلانات فيلم Kangaroo Jack المنتج عام 2003 وكأنه مغامرة عائلية تتمحور حول كنغر ناطق بينما تدور القصة فعليا بدرجة كبيرة حول صديقين ومشكلة مع عصابة وأموال مسروقة، وحقق الفيلم المركز الأول عند افتتاحه في الولايات المتحدة بإيرادات تقارب 17.7 مليون دولار، وبلغت إيراداته العالمية قرابة 89 مليون دولار وفق بيانات شباك التذاكر العالمي.

يعمل التضليل التسويقي على رفع معدل الفضول قبل المشاهدة، فعندما يعتقد الجمهور أن الأحداث حقيقية أو أن شخصية مشهورة تؤدي دورا مهما، أو أن الفيلم موجه إلى فئة مختلفة تزداد احتمالات شراء التذكرة، ويكون هذا الأثر أكثر وضوحا في الأيام والأسابيع الأولى قبل أن تنتشر مراجعات الجمهور وتنكشف الفجوة بين الإعلان والتجربة الفعلية. وفي حالة فيلم The Blair Witch Project حولت الحملة نقص المعلومات إلى سؤال جماهيري هل التسجيلات حقيقية؟ وفي حالة فيلم Paranormal Activity أصبحت ردود فعل الجمهور جزءا من الإعلان نفسه، من خلال تعابير الخوف الذي تظهر على وجوه المشاهدين، وأن الفيلم يستحق المشاهدة، أما في فيلم Kangaroo Jack فاعتمد على جذب الأطفال والعائلات بصورة كنغر كرتوني.

ختاما، يمكن للتسويق المضلل أن يرفع الإيرادات الأولية من خلال زيادة الفضول وتوسيع الجمهور المستهدف، ولكنه قد يضر بالثقة وبالتقييمات وبسمعة الجهة المنتجة إذا شعر الجمهور بأنه خدع، لذلك قد ينجح التضليل في بيع التذكرة الأولى ولكنه لا يضمن الرضا أو التوصية بالفيلم أو نجاح الأجزاء اللاحقة.