انحرفت عوامل الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ومسبباتها. احترقت المبررات. في الحروب غالبا ما تموت الأسباب بعد فرض القوة. والمفاوضات بعد تصاعد أصوات البنادق، تقوم على التهدئة لا مناقشة لماذا اشتعلت النيران. من يضع سلاحه على الطاولة غالبا هو من يكسب.

كان البرنامج النووي الإيراني، هو الفتيل الذي أشعل الحرب. مع الوقت تحولت الأجندة لدى الطرفين. واشنطن هددت بالقوة وفعلت. طهران هاجمت دول الخليج، واستمرت بالنضال عبر خطاب سياسي وإعلامي هش، لم يقبله إلا حفنة من المعتوهين بالمنطقة والعالم.

دونالد ترامب بارع في حشد الرأي العام العالمي ضد من يختلف معه. يجيد فن التعامل مع منصات التواصل، المتوفرة بيد كل من على الأرض. بالمقابل؛ الإيرانيون لا يزالون يغردون خارج السرب. الأسلوب التقليدي هو المعتمد. الطبقة الثورية الحاكمة تعول على ثلة بسيطة من المنبطحين، والمطبلين لها بناء على منهجية مذهبية مقيتة، ترقى للتطرف والإرهاب.

على هذا الأساس، لم أستغرب من كشف مصادر استخباراتية لقناة العربية يوم الجمعة الماضي، عن عزم فصائل مسلحة بإحدى دول الجوار، ونيتها مهاجمة السعودية، بناء على أوامر إيرانية.

يجهل بعض الأوباش المتطرفين المؤدين أدوارا وظيفية تخدم ولاية الفقيه وتضعهم في سلال مهملات التاريخ، بأن سياسة الصبر السعودية ولت وأصبحت من الماضي. انتهت فرص غض الطرف والسكوت على الاعتداءات من باب الجيرة والعروبة والرغبة بعدم شق الصف العربي. فالدفاع عن النفس وحماية الأمن القومي واجبان وحقان لكل دولة، ليسا مكتسبين أو مأخوذين بمنة من أحد. وقد قالت الرياض كلمتها قبل أسابيع.

أعتقد أن أولئك إضافة إلى شريحة كبيرة في الشارع الشيعي على وجه الخصوص، وبعض القوميين والعروبيين والناصريين، يرون إيران دولة ذات مشروع محفز للحياة والعيش المشترك، وأنها قادرة على حماية أتباعها، نظير تمتعها بالقوة الضاربة، والدبلوماسية والتفاوض. وهذا مفهوم خاطئ، سوقت له الآلة الدعائية الإيرانية عشرات السنين، وجنت ثماره.

إنما في الحقيقة الإيرانيون لا يجيدون أكثر من لغة الموت؛ وتشتيت النظر، وشراء الوقت، كيف؟ منذ سقوط نظام الشاه، رفعت طهران لواء تحرير القدس، ولم تطلق رصاصة واحدة لهذا الغرض. هذا من جانب القوة المزعومة. من الناحية الدبلوماسية، فقد دخلت مئات المفاوضات السياسية مع دول العالم، ولم تنجح إطلاقا بأي منها. لماذا؟ لأن العنوان العريض الذي تسير عليه ولاية الفقيه وكرست له منذ أن تبوأت سدة الحكم أواخر السبعينيات الماضية، هو مخادعة الشعوب المكلومة، مقرونا بإشعال الفتن، عبر الأذرع والجهات الخادمة، لا بالمواجهة المباشرة.

أستطيع الاستدلال بمفاوضاتها مع السعودية التي انتهت باتفاق بكين في مارس 2023. أجزم أن ذلك الاتفاق لم يولد نتيجة دهائها السياسي، بل بسبب أمرين، ما هما: أولا: حسن النوايا السعودية. ثانيا: وساطة الصين. فالرياض لم ترد خذلان بكين، كونها حليفا موثوقا به.

قبل ذلك وبهذا الصدد يجب العودة للاتفاق النووي، الذي سمي حينها «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وأبرمته مع طهران إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وجر معه عددا من الدول الأوروبية للتوقيع على ورقة مزقها لاحقا ترامب؛ لم يكن نتيجة انتصار أو تفوق للدبلوماسية الإيرانية، بقدر ما أنه اعتمد على جهل الإدارة الأمريكية وعدم فهمها لشكل تركيبة النظام الراديكالي الإيراني. ما الدليل؟ إغداقها - أي واشنطن - على طهران مليارات الدولارات، التي انتهت لصالح الفصائل المسلحة المؤيدة لها، لا لمصلحة الإنسان الإيراني المغلوب على أمره.

فيما يتعلق بالأزمة الراهنة، فقد دخلت الجمهورية مفاوضات مع الجانب الأمريكي، بوساطة عمانية، تلتها وساطة باكستانية، قادت للجلوس على الطاولة في أحد منتجعات سويسرا الفاخرة، التي ما إن غادرها الوفد المفاوض الإيراني حتى انقلب على البنود المتفق عليها.

حاليا يقوم الأشقاء في قطر بدور الوسيط - والدوحة لها سجل لا يستهان به بجمع الأطراف المتنازعة - إنما أتصور لن تنتهي عند حل يرضي الطموح القطري والإقليمي على حد سواء، لأن الملف برمته تم وضعه في خانة المقامرات، استنادا إلى انتفاء أسباب الحرب، واستبدالها بورقة مضيق هرمز، الذي لم يكن في أصل السياقات الواردة لتفعيل المواجهة العسكرية بين طهران وواشنطن، لا من بعيد ولا من قريب.

إن ارتهان هذا الجزء المهم من العالم، يجب مواجهته بكثير من الواقعية السياسية، التي تفترض عدم وضع ممرات الطاقة الحيوية بيد من لهم تجارب بتأجيج المنطقة واصطناع الأزمات التي قادتها لما يزيد عن أربعين عاما من الاضطرابات، لمصالح أيديولوجية قامت على ادعاء المظلومية، بإطار شعارات لم تسمن ولم تغن من جوع.

واقعيا؛ فشل النظام الإيراني بتوفير قوت المواطن اليومي، على حساب نجاحه بالهروب إلى الأمام. كان ولا يزال، يخشى أن تنقشع غمامة هزله وكارتونيته، وأن فكرة تصدير الثورة التي سار عليها عقودا مضت، وحمل لواءها السذج والبسطاء والتافهون المأجورون بشسع نعل كليب، عبارة عن خدعة تاريخية للبقاء والاستمرار.

انتهت تلك الأكاذيب.

جاء دور مضيق هرمز، وتحويله.. بوابة للعقرب.