الانشغال بالذات
مطير سعيد الزهراني2 دقائق للقراءةحجم الخط
في عبارة لافتة قيلت مؤخرا في سياق عام، ورد تعبير يحمل دلالة أعمق من كونه ردا عابرا: نحن مشغولون بأنفسنا...وأنتم انشغلوا بنا)، ليست هذه الجملة توصيفا لحالة انصراف أو تجاهل، بل يمكن قراءتها بوصفها اختزالا لرؤية حضارية هادئة، ترى في التركيز على الداخل علامة نضج لا ضعفا، وفي الانشغال بالبناء أولوية تتقدم على الجدل.
لم تكن الأمم - عبر التاريخ - تقاس بقدرتها على الرد، ولا بكثرة ما تقوله عن خصومها، بل بمدى وضوح مشروعها الداخلي، فالمجتمع الواثق لا يستنزف طاقته في التفسير المستمر لذاته، ولا يجعل من الخطاب الخارجي محور حركته، بل ينصرف إلى ما يراه أكثر أثرا في المدى الطويل.
ويعد الانشغال المفرط بنظرة الآخر أحد مؤشرات القلق الجمعي، فالفرد أو المجتمع الذي يشعر بعدم الاستقرار يسعى باستمرار إلى التبرير والمقارنة وطلب الاعتراف، أما حين تتشكل الثقة بالذات، فإن الحاجة إلى هذا التفاعل المتواصل تتراجع، ويحل محلها هدوء نابع من وضوح الاتجاه والهدف.
وتظهر تجارب المجتمعات الصاعدة أن التركيز الداخلي ليس انسحابا من العالم، بل شرط للانخراط الفاعل فيه، فالدول التي حققت تحولات كبرى لم تبدأ بمخاطبة خصومها، بل ببناء أنظمتها التعليمية، وتطوير اقتصاداتها، وتعزيز جودة الحياة فيها، وكان اهتمامها منصبا على الداخل، لا لأن الخارج غير موجود، بل لأن ترتيب الأولويات كان واضحا.
إن الانشغال بالذات، في هذا السياق، لا يعني الانغلاق أو التعالي، بل انتقالا من مرحلة الدفاع عن الصورة إلى مرحلة الاستثمار في القيمة، فحين يتحول الجهد من تبرير الحضور إلى ترسيخه، تتغير طبيعة العلاقة مع الآخر تلقائيا، دون حاجة إلى صدام أو استعراض.
وعلى النقيض من ذلك، يكشف الهوس بالآخر عن فراغ داخلي، فالمجتمع الذي يجعل خصومه مركز اهتمامه يمنحهم سلطة رمزية غير مباشرة، ويجعل ردود أفعالهم جزءا من تعريفه لذاته، وهنا يتحول الصراع من تنافس حضاري إلى استنزاف نفسي وثقافي، يبدد الطاقة دون أن يضيف قيمة.
ويعكس الانشغال بالذات نضجا في الوعي بالزمن، فالمجتمعات الناضجة تفكر في الأثر، لا في الضجيج، وفي القيمة التراكمية، لا في القيمة العابرة، تدرك أن البناء الحقيقي لا يحتاج إلى ردود يومية، بل إلى عمل صامت، منضبط، ومستمر.
ولعل المفارقة أن هذا الهدوء هو أكثر ما يربك الخطاب العدائي، فالخصومة تعيش على التفاعل، وتضعف حين لا تجد استجابة، أما البناء، فيمضي سواء بالتصفيق أو بالصمت، ولذلك يصبح الانشغال بالذات، في كثير من الأحيان، أقوى رد ممكن، لأنه يسحب الوقود من الجدل ويحول الانتباه إلى الفعل.
إن النضج الحضاري لا يظهر في كيفية الرد على الكراهية، بل في القدرة على تجاوزها دون أن تترك أثرا في المسار، فحين ينشغل البعض بالمراقبة والتعليق، ينشغل آخرون بالبناء والتخطيط، والتاريخ في النهاية لا يحتفظ بالأصوات الأعلى، بل بالمنجزات الأعمق.
