لماذا غضب نقيب الزبالين في مصر من تركيب ماكينات ذاتية تستبدل النفايات القابلة للتدوير كالزجاج، والبلاستيك، والعلب المعدنية مقابل أموال أو قسائم شراء للمواطنين؟ يرى البعض أن تركيب ماكينات لجمع النفايات القابلة للتدوير هي خطوة رائدة في طريق استدامة المدن بيئيا وتحفيز السكان على فرز النفايات من المصدر واستثمارها بالشكل المناسب. كما أن هذه الخطوة تساعد على تحويل مجتمع الزبالين من مجتمع غير رسمي إلى قطاع منظم يخضع للرقابة الصحية والمالية. ولكن نقيب الزبالين ينظر إلى القضية باعتبارها مصدر دخل، فالماكينات تأخذ «زبدة القمامة» إن جاز التعبير وتترك المخلفات العضوية التي ليس لها أي قيمة للزبال. يعيش جزء كبير من مجتمع الزبالين على فرز وإعادة تصنيف النفايات وبيعها، وعند أخذ أهم الأجزاء من النفايات المنزلية كالزجاجات والبلاستيك تنتفي الفائدة من عملية استثمار هذه النفايات وبالتالي ينقطع مصدر دخل الزبالين وعائلاتهم.

ما يهمنا أن هذه القضية ليست مجرد خلاف عادي حول آليات جمع النفايات وإعادة فرزها واستثمارها في المدينة كما يعتقد البعض؛ بل أراها مثالا واقعيا للباحثين وطلاب الدراسات العليا في التخطيط الحضري لفهم الصراع بين أصحاب المصلحة Stakeholders ومنظور العدالة في المدن في عصر التطور التقني. قلت سابقا إن التطور التقني قد يؤدي إلى خلق ما يعرف بـ«المدينة المزدوجة»، حيث يفقد العمال أعمالهم نتيجة الصراع في الوظائف أو إحلالها بالوسائل التقنية. وتنطبق على هذه القضية بالتحديد خمسة مبادئ تناولتها نظريات التخطيط الحضري يمكن تلخيصها على النحو التالي:

أولا: غياب استيعاب الاقتصاد الشبكي الاجتماعي، فالاعتماد على الوسائل التقنية دون فهم الاقتصاد المحلي ومساره يؤدي إلى توزيع غير عادل للمنافع، فالماكينات سوف تأخذ المنافع وتترك الأعباء للزبالين دون وجود تنظيم عادل يضمن لهؤلاء العمال مستوى معيشيا مناسبا.

ثانيا: غياب ما يعرف بالتخطيط بالمشاركة، حيث تم تصميم منظومة الماكينات الذكية وتشغيلها دون إشراك أصحاب المصلحة «الزبالين».

ثالثا: الحرمان من الحق في المدينة The Right to the City، حيث إن تشغيل هذه الماكينات الذكية يعني تهميش مجتمع الزبالين الذين عملوا فترات طويلة في المهنة نفسها. هذا يعني أن جزءا من سكان المدينة أصبحوا غير قادرين على إنتاج الفضاء الحضري حسب أدبيات Harvey.

رابعا: التخطيط النخبوي والذي أراه رائجا بشدة في الوقت الراهن وسوف يقود المدن إلى مزيد من المشاكل لا سيما في قضايا العدالة والتهميش الاجتماعي. يحصر هذا التخطيط الرؤية المستقبلية للمدن في لجان تكنوقراطية ترى أن المدينة الذكية هي نافذة المستقبل. وعلى ذلك فالمدينة من وجهة نظرهم هي مجموعة من المباني الجميلة، والشوارع النظيفة، والأشجار الخضراء، والأرصفة، ومواقف سيارات مدفوعة الثمن، وكاميرات مراقبة، وشاشات تحكم، ورسوم وغرامات. هذه الرؤية تحاول القضاء على الاقتصاد غير الرسمي دون تحليل دائرة الاقتصاد المجتمعي الذي يعتمد عليه جزء كبير من المجتمع.

خامسا: العدالة البيئية Environmental Justice، حيث يبقى مجتمع الزبالين محصورا في جمع النفايات العضوية التي ليس لها أي قيمة، وهذا يعني تحمل هذه الفئة مخاطر أعلى أو ما يعرف بالعنصرية البيئية غير المقصودة.

ولست هنا في معرض الدفاع عن استخدام أو عدم استخدام ماكينات النفايات؛ بل أراها خطوة هامة لتحفيز المجتمع واستثمار النفايات وإعادة تدويرها. لكن الأهم هو أن ينتهج التخطيط مسارا انتقاليا يأخذ في عين الاعتبار تحديات التحول نحو استخدام التقنية في إطار حوكمة يدمج أصحاب المصلحة في عملية التخطيط ويحقق العدالة الاجتماعية.