المال من أهم الأدوات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، لكنه يتحول إلى عبء حين ينسى صاحبه أنه وسيلة، ويتعامل معه كأنه الغاية التي خلق من أجلها.

الخلل ليس في امتلاك المال، ولا في طلبه، ولا في تنميته، وإنما في المكانة التي يحتلها داخل النفس، وفي الطريقة التي يكتسب بها، والوجهة التي ينفق فيها، والأثر الذي يتركه في حياة صاحبه وحياة من حوله؛ والإنسان يعمل ليكسب المال، وهذا أمر طبيعي، لكنه لا ينبغي أن يعيش من أجل أن يراكمه فقط، لأن المال مهما كثر لا يمنح الحياة معناها من تلقاء نفسه، ولا يصنع السعادة بمجرد وجوده، ولا يحمي صاحبه من القلق إذا تحولت المحافظة عليه إلى خوف دائم، وزيادته إلى سباق لا ينتهي، ومقارنته بأموال الآخرين إلى مقياس للنجاح والقيمة؛ فالمال النافع هو المال الذي يوسع قدرة الإنسان على الاختيار، ويمنحه قدرا من الاستقرار، ويحفظ كرامته، ويعينه على أداء مسؤولياته، ويمكنه من نفع نفسه وأهله ومجتمعه؛ ولهذا كان من أجمل ما ردده السابقون في دعائهم «اللهم اجعل المال في أيدينا، ولا تجعله في قلوبنا».

بعضنا يؤجل الراحة حتى يزداد دخله، ويؤجل الاهتمام بصحته حتى تستقر تجارته، ويؤجل الاستمتاع بما لديه حتى يمتلك ما ليس لديه؛ ثم تمضي السنوات، وتكبر الأرصدة، لكن العمر الذي أهدر في جمعها لا يعود، والصحة التي أهملت قد لا تسترد، والعلاقات التي ضعفت قد لا يصلحها المال مهما كثر؛ وفي الحديث الصحيح: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»؛ فالمال واحد من موارد الحياة، وليس كل الحياة، ولا يعقل أن نخسر الصحة في طلبه، ثم ننفقه مرة أخرى في محاولة استردادها، أو أن نستهلك اليوم في جمع ما لا نجد في الغد وقتا ولا قدرة على الانتفاع به.

لا يصح أيضا أن ننصرف عن طلب الرزق، أو نرضى بالعجز، أو نهمل التخطيط للمستقبل؛ فحسن إدارة المال جزء من حسن إدارة الحياة، والادخار ضرورة، والاستثمار وعي، والسعي إلى الاستقلال المالي مقصد معتبر؛ لكن الفرق كبير بين أن تملك المال ليخدم حياتك، وأن تمنح حياتك كلها لخدمة المال، ومن الخطأ أن يختزل نفع المال في الإنفاق الاستهلاكي، إذ وظيفته لا تقتصر على شراء الأشياء، بل تشمل شراء الوقت، وتخفيف الأعباء، وحفظ الصحة، وبناء الفرص، وصناعة الأثر.

أخيرا.. قيمة المال لا تظهر في مقدار ما يتيحه من مظاهر، بل في مقدار ما يصنعه من جودة؛ فقد يكون المرء كثير المال، قليل الطمأنينة، وقد يكون أقل منه مالا، لكنه أحسن تدبيرا، وليست الوظيفة الأعلى راتبا هي الأفضل دائما، ولا الصفقة الأكثر ربحا هي الأجدى في كل حال، والربح الحقيقي لا يحسب بما دخل الحساب وحده، بل بما بقي للإنسان من نفسه وأهله وعمره، وكما ردد من خبر الحياة وجربها «أنا من جئت بالمال، وليس هو من جاء بي»؛ أي أن ما استطعت جمعه مرة أستطيع أن أعوضه، وهذه ليست دعوة إلى التهوين من قيمة المال، وإنما تذكير للإنسان بألا يكون عبدا لما جمعه بيده، وأن يعلم أن المال خادم جيد، لكنه سيد سيئ، وخادم نافع إذا ما بقي أداة، لكنه سيد قاس متى تحول إلى غاية.. قال تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾.