ليست التربية أن نخرج أبناءنا نسخة منا تحمل أفكارنا بالطريقة نفسها، وتحب ما نحب، وترفض ما نرفض، وتردد عباراتنا كما لو كانت حقائق لا تقبل النقاش...، فالتربية الأجمل أن نمنحهم جذورا ثابتة، ثم نترك لهم مساحة واسعة ليكبروا بأفكارهم ووعيهم وتجاربهم.

كما أن الاختلاف ليس عيبا في الإنسان، وإنما هو إحدى صور الحياة، ولو أراد الله للناس أن يكونوا متشابهين في أفكارهم وطباعهم ومشاعرهم، لما جعل في البشر كل هذا التنوع الجميل... والمشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في أن نعجز عن احتمال اختلاف الآخرين، فكم من بيت انطفأت فيه المودة لأن الأب لم يحتمل رأيا مختلفا من ابنه، وكم من صداقة انتهت لأن أحد الطرفين أراد من الآخر أن يوافقه دائما، وكم من علاقة تحولت إلى ساحة للمحاسبة لأن أصحابها لم يتعلموا أن المحبة لا تشترط التطابق.

حقيقة، إن الطفل الذي يمنع من التعبير عن رأيه بحجة أنه صغير، قد يكبر وهو يخاف من الحوار، أو يبحث عن مكان آخر يسمع فيه صوته، والذي يعاقب كلما سأل أو ناقش، قد يتعلم الصمت بدل التفكير، والمجاملة بدل الصراحة، والخوف بدل الثقة؛ لذلك علينا أن نربي أبناءنا على أن يقولوا: أنا أختلف معك دون أن يقولوا: أنت سيئ، وأن يدافعوا عن قناعاتهم دون أن يسلبوا الآخرين حقهم في القناعة.

كما أننا نحتاج أن نعلمهم أن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن الحوار ليس معركة يبحث فيها أحد الطرفين عن هزيمة الآخر، وإنما هو جسر يحاول كل طرف أن يعبر من خلاله إلى فهم الطرف الآخر، وحين يختلف الأب مع ابنه، فليتذكر أن مهمته ليست دائما أن ينتصر في النقاش، بل أن يعلم ابنه كيف يفكر وكيف يسأل وكيف يصغي، وكيف يراجع رأيه إذا ظهر له الصواب، وحين تختلف الأم مع ابنتها، فليكن في البيت متسع لجملة (قد أراك مخطئة، لكنني أريد أن أفهمك)، إن هذه الجملة الصغيرة قد تفتح في قلب الابن بابا كبيرا للأمان.

اليوم نحن لا نحتاج إلى جيل يتفق في كل شيء، بل إلى جيل يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وكيف يحاور دون أن يجرح، وكيف يتمسك بما يؤمن به دون أن يحتقر من لا يؤمن به. إن التربية الحقيقية لا تعلم أبناءنا كيف يجعلون العالم يشبههم، وإنما تعلمهم كيف يعيشون في عالم مختلف عنهم، بقلوب واسعة، وأخلاق ثابتة، ونفوس لا تضيق بالتنوع، وحين ننجح في ذلك نكون قد منحنا أبناءنا واحدة من أجمل الهدايا: القدرة على الاختلاف مع بقاء المحبة.