شاهدت قبل مدة مقابلة جمعت عسكريين من القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بصبي كان يقاتل في صفوف جماعة الحوثي. لم يكن الصبي، في أعلى تقدير، قد تجاوز الخامسة عشرة، غير أن ملامح طفولته كانت غائبة خلف غضب عارم، ولغة مشحونة بالكراهية والوعيد.

كان يتحدث وكأن بينه وبين العسكريين ثأرا قديما، ويتمنى لو تمكن من رقابهما، بينما كانا يحاولان تهدئته وتذكيره بأنه يمني مثلهما، وأنهما لا يريدان قتله، بل يشفقان عليه ويتمنيان له حياة آمنة ومستقبلا أفضل. لكنه لم يكن يصغِ؛ كان يردد عبارات تظهر ولاء مطلقا لقائد الجماعة، ولا يرى في الرجلين إلا عدوين يجب استئصالهما. كما هاجم الحكومة الشرعية وحلفائها.

الحقيقة أن المشهد لم يكن مجرد مقابلة مع طفل حمل السلاح، بل مواجهة مع طفل يرى جماعته هي الوطن، وما سواها عدوا يجب اجتثاثه.

فكيف استطاعت جماعة مسلحة أن تنتزع طفلا من عالم المدرسة والأسرة واللعب، وأن تملأه بهذا القدر من الغضب والكراهية؟

منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 مضت قرابة اثني عشر عاما؛ وهي مدة تكفي لأن يدخل طفل المدرسة ثم يخرج منها شابا يافعا لم يعرف من اليمن إلا الحرب، ولم يسمع من السياسة إلا رواية واحدة. وقد وثقت الأمم المتحدة خلال هذه السنوات تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال، وأبدت قلقها من المراكز الصيفية، وعسكرة التعليم، واستغلال المدارس والأنشطة الثقافية في التعبئة.

ما جرى ليس غسيل مخ يحدث في لحظة، بل عملية طويلة لإعادة تشكيل الوعي، تبدأ من اللغة التي يسمعها الطفل، ثم تمتد إلى المدرسة والمسجد والإعلام والحي والرفاق، حتى تصبح الجماعة عالمه كله، وتغدو روايتها الحقيقة الوحيدة الممكنة.

فالطفل يعيش داخل بيئة متكاملة: خطاب يتكرر، ومدرسة تقدم تفسيرا انتقائيا للتاريخ والدين، وإعلام يصنع صورة العدو والصديق، وأناشيد تمجد الجماعة وحلفاءها ورموزها، وصور قتلى تملأ الفضاء العام، ومناسبات تجعل الموت بطولة، ومراكز صيفية تقدم الطاعة والتعبئة في قالب ديني.

وحين يسمع الطفل الرسالة نفسها من كل الجهات، لا يشعر بأنه يتلقى دعاية، بل يظن أنه يكتشف الحقيقة. ويصبح نقد الجماعة مؤامرة، والمخالف لها خائنا، والتراجع عن مسيرتها جبنا، والموت في سبيل القيادة بطولة وشهادة.

ولكي يحمل الطفل السلاح في وجه أبناء وطنه، لا بد أولا من إعادة تعريفهم في ذهنه؛ فغير المؤيد، ولو كان من قبيلته أو مدينته أو حتى من أسرته، يصبح «عميلا» أو «مرتزقا». وحين تصبح الجماعة هي الوطن، يغدو الولاء لقائدها وطنية، والاعتراض عليها خيانة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاما: كيف نجحت إيران، عبر حليفها الحوثي، في قلب صورة الواقع في أذهان أعداد من هؤلاء الصغار والشباب؟ وكيف تحول بلد عربي مجاور بحجم السعودية، ارتبط باليمن لعقود بالمساعدات والمشروعات والدعم، واحتضن ملايين اليمنيين الذين يعيل كثير منهم أسرهم في الداخل، إلى «عدو»، بينما تحولت إيران البعيدة جغرافيا إلى «حليف» و«نصير»؟

وفي صعدة نفسها يقف شاهد يصعب تجاهله؛ مستشفى السلام السعودي الذي أنشئ عام 1982، وظلت السعودية تدعم تشغيله وتزويده بالتجهيزات والأدوية، إلى جانب عشرات المشروعات التنموية في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والزراعة والنقل والإسكان.

وفي المقابل، ارتبط الدعم الإيراني، وفق ما أوردته التقارير الدولية، بالأسلحة، ومكونات الصواريخ والطائرات المسيرة، والخبرات العسكرية، بينما تحولت الألغام إلى خطر دائم يلاحق اليمنيين حتى بعيدا عن ساحات القتال.

وفي مواجهة هذا الخطر أطلقت السعودية عام 2018 مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، وتمكنت فرقه من انتزاع مئات الآلاف منها من الطرق والمزارع والقرى، في مهمة دفع بعض العاملين فيها حياتهم ثمنا لإعادة الأرض إلى أهلها.

إن مشهد ذلك الطفل، وغيره من آلاف الأطفال الذين نشأوا في البيئة نفسها، يكشف قوة الدعاية حين تمتلك المدرسة والمنبر والإعلام والشارع لسنوات. فهي لا تغير رأيا سياسيا فحسب، بل تتحكم إلى حد بعيد في المادة التي يتشكل منها الوعي؛ تختار من التاريخ ما يخدم روايتها، وتحجب ما يربكها، وتكرر الصورة حتى تصبح بديهية. ومع الزمن لا يعود الطفل يسأل: ماذا فعل هذا الطرف فعلا؟ بل يكتفي بما قيل له عنه؛ لأنه في كثير من الأحيان لم تتح له أصلا فرصة سماع رواية أخرى.

واليمن، بإذن الله، قادر على تجاوز محنته، لكن يبقى السؤال الملح: ما السبيل لحماية الأطفال من الجماعة التي تفخخ عقولهم قبل أن تفعل ذلك بأجسادهم؟ فالصبي الذي جرى تسليح عقله قبل يده يحتاج إلى أن يستعيد أسرته ومدرسته، وقدرته على السؤال والمقارنة؛ ليميز بين من شيد في قريته مستشفى السلام، ومن سلح جماعته وفخخ أرضه وطرقاته بالألغام.