حين تتغير المدن، تبقى الصورة شاهدة على ما كان وما أصبح. ومن هذه الفكرة، يأخذ نادي «ركائز» الفوتوغرافي ذاكرة جدة إلى مساحة بصرية مفتوحة، عبر معرض «جدة.. حاضرها امتداد لماضيها»، الذي احتضنته متاحف دار الفنون الإسلامية بجدة بارك، بالتعاون مع النادي، تزامنًا مع اليوم العالمي للتصوير في 19 أغسطس، ودشّنه الأمير عبدالعزيز بن فيصل بن عبدالمجيد آل سعود.

بـ46 عدسة، يقدّم المعرض جدة كما تراها عيون مختلفة؛ من بيوت «البلد» ورواشينها وأسواقها وأزقتها، إلى تفاصيل الحياة اليومية ومظاهر العمران الحديث، في سرد بصري تتجاور فيه طبقات المدينة، ويلتقي الماضي بالحاضر من خلال الصورة.

ولا تقف التجربة عند حدود التوثيق؛ فالصورة هنا محاولة لاستعادة روح المكان. ويشير الفنان الفوتوغرافي طارق خوجة إلى أن كل عمل يحمل أثرًا من زمن جدة وملامحها، فيما يمنح تنوع المشاركين المدينة قراءات متعددة تكشف ثراءها البصري والإنساني.

ومن بين المشاركين الفنان الفوتوغرافي علي سليمان، الذي قدم مجموعة من أعماله واختير أحدها للعرض، فيما اختارت الفنانة سميرة الأهدل مشهدًا بسيطًا لبائع مسواك في «البلد»، رأت فيه اختزالًا لروح المكان؛ إذ يتحول المشهد اليومي إلى نافذة على سوق قديم وذاكرة اجتماعية ما زالت تقاوم النسيان.

ويتصل التصوير في المعرض بقراءة العمران بوصفه ذاكرة حية، وهو ما يلتقي مع حضور المهندس أنس بن محمد صالح حمزة صيرفي واهتمامه بالعمران والثقافة والتراث؛ فجدة لا تتشكل من مبانٍ وشوارع فحسب، بل من طبقات متراكمة من الحياة، تحفظها العمارة وتعيد الصورة قراءتها.

ويأتي المعرض ضمن جهود نادي «ركائز» الفوتوغرافي، بإشراف طارق خوجة وهناء تركستاني وتركي الجدعاني، لدعم المصورين والمصورات، وإتاحة مساحات العرض والتجربة، وتعزيز حضور التصوير بوصفه فنًا بصريًا قادرًا على قراءة المكان وتوثيق تحولاته.

وتمنح مشاركة 46 مصورًا ومصورة المعرض تعددًا في الرؤية؛ فكل عدسة تقدم جدة من زاوية مختلفة، من التفاصيل الصغيرة إلى المشاهد التي تختزل تحولات المدينة الكبرى، لتتحول الأعمال مجتمعة إلى سردية بصرية واحدة لمدينة لا تتوقف عن التجدد.

وخلال تدشين المعرض، تجسّد التقاء الثقافة والفنون وذاكرة المكان في مشهد جمع الأمير عبدالعزيز بن فيصل بن عبدالمجيد آل سعود، ورئيس جمعية الثقافة والفنون بجدة محمد آل صبيح، والمهندس أنس صيرفي، فيما حضرت المواهب الفوتوغرافية ممثلة في المصورة سارة باوزير إلى جانب أنس صيرفي وطارق خوجة.

وبين «البلد» ورواشينه وأسواقه، وبين جدة الحديثة وفضاءاتها المتجددة، تؤكد تجربة «ركائز» أن المدينة يمكن أن تتغير دون أن تفقد ذاكرتها؛ فالصورة لا تحفظ شكل المكان فقط، بل تمنح ذاكرته فرصة أخرى للحياة.

جدة تتغير.. و«ركائز» يلتقط ما لا ينبغي للزمن أن يمحوه.