لا تنتظر الميدالية كي تعرف أنك ملاكم؛ ابدأ من أول تمرين. فكل بطل صعد يومًا إلى الحلبة كان لاعبًا مبتدئًا يتعلم الوقفة الصحيحة، وحركة القدمين، وكيفية الإمساك بالقفاز، والسيطرة على الخوف، قبل أن يتعلم كيف يوجّه لكمته.

وفي اليوم العالمي للملاكمة، الذي يوافق 27 أغسطس، تبدو هذه الحقيقة أكثر حضورًا في المشهد السعودي، مع اتساع قاعدة ممارسة اللعبة وظهور أندية متخصصة تعمل على اكتشاف المواهب وصقلها، ومن بينها «جدة بوكسينج»، الذي يقدم نموذجًا يقوم على بناء الملاكم بدنيًا وفنيًا وذهنيًا منذ خطواته الأولى.

ويرى الكوتش مهنا أن المملكة تمتلك اليوم بيئة أكثر قدرة على احتضان المواهب الشابة، مشيدًا بالدعم الذي يحظى به القطاع الرياضي، وبالدور الذي يؤديه الاتحاد السعودي للملاكمة ووزارة الرياضة في توسيع قاعدة المنافسات، وفتح المجال أمام الشباب لاكتشاف قدراتهم وتطويرها.

ويؤكد أن استضافة المملكة لأبرز النزالات العالمية أسهمت في تغيير علاقة الشباب بالملاكمة؛ فالنجم العالمي الذي كان يُشاهَد عبر الشاشة أصبح اليوم جزءًا من المشهد الرياضي المحلي، وهو ما رفع سقف طموح الجيل الجديد، وجعل كثيرًا من الشباب يرون في الملاكمة طريقًا يمكن أن يقودهم إلى المنافسة والاحتراف.

لكن الطموح وحده لا يصنع الملاكم، كما يقول الكوتش مهنا؛ فالبداية الحقيقية هي التدريب الصحيح. وفي «جدة بوكسينج» يبدأ اللاعب من الأساسيات، ثم يتدرج في اللياقة والتحمل والرشاقة والتوافق الحركي والمهارات الفنية، قبل الانتقال إلى متطلبات المنافسة. والأهم، في نظره، هو الجانب الذهني؛ لأن الملاكم يحتاج إلى السيطرة على الخوف والغضب والتسرع، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط.

ويقول الكوتش مهنا إن مهمة المدرب لا تقتصر على تعليم اللكم والدفاع، بل تبدأ باكتشاف ما يملكه اللاعب من قابلية للتطور، ثم بناء ثقته بنفسه، وتعليمه الانضباط واحترام المنافس، وتحويل طاقته إلى أداء منظم داخل الحلبة. فالموهبة وحدها قد تلفت النظر، لكن التدريب والانضباط هما اللذان يصنعان البطل.

وتستند رؤية الكوتش مهنا إلى تجربة شخصية بدأت مع الملاكمة منذ الطفولة؛ إذ مارس اللعبة في سن مبكرة، ثم التحق بمدرسة الموهوبين رياضيًا، حيث أمضى ست سنوات خاض خلالها منافسات محلية ودولية، قبل أن يتجه أكاديميًا إلى دراسة الملاكمة في كلية التربية الرياضية، ويحصل على درجة البكالوريوس في التدريب الرياضي، تخصص الملاكمة، لتبدأ بعدها رحلته المتخصصة في عالم التدريب.

ولا يقتصر نشاط الكوتش مهنا على التدريب داخل الحلبة؛ إذ يخوض أيضًا تجربة مختلفة في صناعة المحتوى المتخصص في الملاكمة على مستوى الوطن العربي، من خلال قناته التي يقدم عبرها مواد تعليمية مبسطة عن أساسيات اللعبة، وتحليلات تفصيلية لأداء أبطال العالم وقصص حياتهم ومسيراتهم، إلى جانب تناول الجانب النفسي للملاكم وشرح أهميته في بناء الأداء والقدرة على المنافسة.

ويهدف الكوتش مهنا، من خلال هذا المحتوى، إلى نشر ثقافة الملاكمة بين الشباب بطريقة سهلة ومبسطة تستند إلى المعرفة العلمية، بحيث لا تبقى اللعبة محصورة في من يمارسونها، بل تصبح مفهومة وجاذبة للراغبين في اكتشافها والتعرف إلى أسرارها وأساليبها.

ومن خلال تجربته في «جدة بوكسينج»، أسهم الكوتش مهنا في إعداد ملاكمين حققوا نتائج محلية، من بينهم أبي الشيحي وأحمد الجابري، بطلا المملكة لعام 2024، في تجربة تعكس، كما يرى، أهمية الجمع بين التدريب العلمي والممارسة الميدانية والصبر على تطوير اللاعب.

ويشير إلى أن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة يختصر كثيرًا من الطريق؛ فاللاعب عندما يحصل على التدريب المناسب، ويخوض منافسات متدرجة تتناسب مع مستواه، تتضاعف فرص تطوره، وتقل احتمالات ضياع موهبته. ولهذا تمثل الأندية والمدربون الحلقة الأولى في صناعة أبطال المنتخبات؛ لأن الموهبة لا تكفي وحدها ما لم تجد من يكتشفها ويوجهها ويحسن رعايتها.

وتأتي تجربة «جدة بوكسينج» ضمن هذا المسار، من خلال صالة تضم حلبة مطابقة للمواصفات الأولمبية وتجهيزات مخصصة للتدريب، وتستقبل مختلف الفئات العمرية، فيما أسهمت مشاركة لاعبي النادي في المنافسات، ومنها بطولة «الماسترز»، في توسيع خبرتهم التنافسية ومنحهم فرصًا إضافية لاختبار قدراتهم.

ويوجه الكوتش مهنا رسالته إلى الملاكم المبتدئ ببساطة: لا تستعجل النتيجة. لا تقارن نفسك ببطل أمضى سنوات في الحلبة، ولا تجعل خسارة نزال واحد تعريفًا لمستواك. تعلّم الوقفة، وأتقن الحركة، واستمع إلى مدربك، والتزم بالتدريب، واحترم خصمك؛ فكل حصة تدريبية تضيف لبنة جديدة إلى بناء الملاكم الذي تريد أن تصبحه.

وفي اليوم العالمي للملاكمة، تختصر تجربة «جدة بوكسينج» فلسفة صناعة البطل في قاعدة بسيطة: اكتشف موهبتك، ثم امنحها الوقت والعمل والانضباط.

فالملاكمة لا تبدأ عندما يرن جرس النزال، والميدالية لا تبدأ على منصة التتويج؛ كلاهما يبدأ من اللحظة التي يضع فيها الملاكم المبتدئ قفازه الأول، ويقرر ألا يتوقف عن التطور.