الانتظار؛ ذلك العذاب الخفي؛ إنه نوع من العذاب يشترك فيه الجلاد والضحية، انتظار موعد الطبيب، وانتظار زواج الأبناء، والحمل والولادة، أتفه الأشياء تسبب لك صداعا - صحيح أنه عابر - لكن هذا الانتظار يفعل بنا الأفاعيل. (وغاص في بحور الانتظار، حتى غص بالثواني، وشرق بالدقائق. صار يعمل أكثر من المعتاد، ويشغل نفسه بتفاصيل الأعمال، ولكن الوقت يعانده، فلا يسير إلا سير سلحفاة تحمل جبلا).

ننتظر الماء البارد تحت الدش ليسخن، وننتظر (البوظة) لتجمد، تخيلت معي دقائق وثواني هذا الانتظار، الانتباه لها جعلها مزعجة، أما من يتحمل تأخر ابنه فقد بلغ القنطرة، ومن يتحمل انتظار رد مسؤول خدمة العملاء فقد حاز الصبر من جميع أطرافه، في بريطانيا قدرت ساعات الانتظار في حياة الشخص العادي أنها تصل لستة أشهر، فما بالك في انتظار الإشارة الحمراء في تقاطعات الدائري أو وسط البلد، أتوقع لو حسبت لمن يمر عليها يوميا لتجاوزت اثني عشر شهرا من عمر حياة شخص عاش حياته كلها في الرياض، لو حسبنا هذا الانتظار لرزق أحدنا بولد، ولبنينا بيتا من دورين، ولقرأنا خمسين كتابا من الحجم المتوسط، لم ننتبه لساعات الانتظار ودقائقها إلا بسبب تلك السرعة التي بلينا بها، يقول صديقي البنقالي في مغسلة الثياب (سعودي يجي كله كلام سرعة سرعة)، الحياة بهذا الإيقاع تفقد بريقها (ما كان الرفق في شيء إلا زانه)، حينما تتريث وتحاول تطبيق السكينة والهدوء، تتهم باللامبالاة والأنانية وعدم تحمل المسؤولية، يقول أبوي (يا زين الطرير لو هو بحلقي) وإن كان يقصد الحزم والسرعة، ولكن هذه المفاهيم تحولت إلى السرعة واللاشيء، انظر لأسرتك كيف يكون الاستنفار لو انقطع تيار الكهرباء، وتقوم قيامتهم لو انقطع بث النت!!، ما هذا الجوع العجيب لالتهام المستقبل، الصبر فاكهة الوقت؛ فلماذا نحرم أنفسنا منه، لقد حرمنا أنفسنا من التلذذ بتفاصيل الحياة، مثلنا كالجائع الذي يأكل الطعام بشراهة، لا يلقي بالا للأنواع ولا يستطعم منها شيئا، وبعد أن أتخم من السرعة، بدأ يندم على أنه لم يأكل هذه ببطء ولا يتلذذ بتلك.

لماذا نسرع في التهام المستقبل والواقع بين يدينا يحتاج منا انتباها، إن ساعات ودقائق الانتظار فرصة للتأمل والتفكير والاسترخاء، جرب أن تزيد في دقائق الانتظار وتتأمل ما بين ناظريك وكفيك، ستتغير المعادلة إلى الأحسن، الاستغراق في الانتظار والاندماج معه لهما لذة افتقدناها بسبب الرأسمالية، كازواكي تاناهاشي يعلمنا خلطة جميلة للاستمتاع بالانتظار (إذا تعلمنا الاستمتاع بالانتظار، فلن نضطر إلى الانتظار للاستمتاع). حديثك مع جارك في صالة المطار له لذة، تبادل الحوار في طابور التذاكر له متعة وليس له تبعات، سواليفك مع صديقك الجديد في طابور المطعم الكبير، ربما تغير وجبتك التي أدمنت عليها وكنت تعتقد أنها الألذ. وربما ندمت على ذلك كما حصل للمازني في القطار.

يقول أسعد طه (‏الانتظار أمر مزعج ومرهق.. ‏لكن أصعب أنواع الانتظارات تلك التي لا تعرف ما الذي تنتظره على وجه الدقة.. ‏إنك مثلا تأمل في وقوع أمر يحرك ماءك الراكد ويصلح مسارك.. أنت لا تعرف ما هو.. ‏وليس لديك تصور عما يجب أن يكون غير أنك تنتظره!)، وأحلام مستغانمي لها فلسفة في الانتظار (الانتظار ولو فيه عذاب فيه أمل... ولكن الانتظار مؤلم والنسيان مؤلم، لكن عدم معرفة أيهما تختار هو أسوأ أنواع المعاناة).

إذا كان الصبر مرا، فإن عاقبته حلوة، والصبر مطية لا تكبو. الانتظار إذا لم يصاحبه صبر صار وبالا على صاحبه. وتولستوي يرشدنا إلى أن من يتعامل مع الانتظار بصبر؛ فإن كل شيء يأتي في وقته.

والمرأة أقوى من الرجل في الانتظار (الانتظار عند المرأة ليس وقتا ضائعا إنه وقت مليء بالإحساسات والحكايات، فالمرأة تنظر مفتوحة العينين على كل شيء ومفتوحة الأذنين أيضا، والذي تلمحه المرأة في لحظة، لا يدركه الرجل في ساعات). وإذا أردت أن تعرف قيمة الانتظار عند المرأة انظر إليها وهي واقفة نصف ساعة تودع صاحباتها، وانظر إليها وهي تحاول إنهاء مكالمة مع حبيبها.. توتر الحب وقلق العشق، وقشعريرة الانتظار، خير من يجيد تصويرها الأنثى، والكاتبة الأمريكية دوراثي باركر في قصتها التي كتبتها في عام 1928 م وحملت عنوانا مدهشا (مكالمة هاتفية).

وأصعب انتظار هو انتظار كانط في صناعة القهوة، فإنه لا يطيق صبرا حينما تتأخر وهو الذي يجلس الساعات الطوال يفكر في مسألة، وحينما يسكب فنجان القهوة يرفع عقيرته وينادي عليه يقول إنها اليابسة إشارة إلى أنه تجاوز بحر الانتظار ووصل للأمان، وللناس في الانتظار مذاهب وشجون.

أما انتظار أغلب المحامين، (نعرف جميعا ذلك الخفقان الصامت في صدر المحامي قبيل الجلسات؛ تلك النبضات المتسارعة التي تصاحب قعقعة الأوراق، والبرودة التي تسري في الأطراف عند بدء المرافعة، وشحوب الوجه الذي نحاول إخفاءه خلف ابتسامة بروتوكولية باردة. في تلك اللحظات يغلي الجسد بفيض من التوتر والانتظار، حيث تسري المشاعر المادية الملموسة كتيار كهربائي، بينما يعتمل في الداخل ضغط معنوي هائل. ضغط لا يتوقف عند حدود الصدر والنبض، بل يستقر في البطن؛ حيث يستجيب القولون فورا لنداء الخطر، فيتشنج في حركة مضطربة ومستمرة، وتثور الأحشاء بتقلصات حادة تربك هدوءك الخارجي، لتشعر أن أجهزتك الحيوية من الداخل تختنق تحت وطأة هذا الانتظار)، ويتعافى أو يصاب بالنكسة كسب القضية وخسرانها.

من يملك الصبر فقد ملك زمام الصحة وتكيف مع السعادة، وهذا ما خرجت به الدراسات والأبحاث، "إنما يوفى الصابرون"، الصبر مع الوقت هما أقوى المحاربين في هذه الحياة كما كان يردده تولستوي. أما الانتظار المؤلم والحلو في آن معا؛ فهو انتظار الحبيب.