كلما علا موقع دولة ما، على سلم القوة الدولية، كانت قدرتها أكبر على تنفيذ سياساتها، والعكس صحيح. ودائما ما يكون للدولة العظمى النفوذ الأقوى، والتأثير الأوسع في مجريات العلاقات الدولية، في وقتها. ويكون للدولة الكبرى قدرة أكبر من قدرة الدولة الكبيرة، على تنفيذ سياساتها، الداخلية والخارجية، وأقل من قدرة الدولة العظمى، وهكذا.

إن الدول تتفاوت في مدى قوتها، في ظل قانون الغاب الذي يحكم معظم العلاقات الدولية، رغم القوانين والتدابير الدولية السلمية. وهذا التفاوت تترتب عليه نتائج هامة، ويختلف من وقت لآخر، ومن حالة لأخرى، سواء فيما بين دول العالم، أو بالنسبة للدولة الواحدة المعنية. وإن سلمنا بأن العلاقات الدولية هي «صراع وسعي الدول من أجل القوة»، فإنه يترتب على هذا التفاوت في قوة الدول، شيء من التفاضل.

ويلزم تطبيق هذا المدخل العلمي المبسط لمعرفة وتحديد مدى قوة أي دولة، إجراء بحث ميداني ومكتبي موسع، لقياس درجة كل عنصر من عناصر القوة الخشنة (تقريبيا) في الدولة المعنية، وكذلك عناصر القوة الناعمة التي تتسم بها وتمتلكها، ومحاولة معرفة مدى توفر كل من هذه العناصر فيها، ووزن كل عنصر على مقياس القوة. وفي حالة محاولة قياس مدى قوة تكتل دولي معين، كمنظمة «الاتحاد الأفريقي» (مثلا) يمكن جمع كل قوى الدول الأعضاء (الخشنة والناعمة) في هذه المنظمة معا، لمعرفة وتحديد مدى قوة هذا الكيان المسمى بالاتحاد الأفريقي، على الساحة الدولية، والذي هو الآن عبارة عن: منظمة دولية حكومية إقليمية شاملة أو بكلمات أخرى، اتحاد «كونفدراليا».

ومعروف أن الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الكون الثابتة. كل البشر بشر، تجمع بينهم خصائص عامة مشتركة، ولكن كل منهم مختلف عن الآخر، قليلا أو كثيرا، وله خصوصية معينة. كذلك «الجماعات»، و«الدول»، و«الأمم» (الحضارات) المختلفة. فالإنسان يتجسد في عدة صور (Forms)، من أهمها: الفرد، الجماعة، الحزب، التنظيم، الدولة، الأمة... إلخ. ويتشابه سلوك كل من هذه الصور، سواء كان سياسيا أو غيره، نتيجة هيمنة العنصر الإنساني في كل صورة. إن من أهم نتائج هذا الاختلاف هي: تنوع الحضارات واختلافها عن بعضها. كلها حضارات إنسانية... ولكن كل منها مختلف (ماديا ومعنويا وقيميا) عن الآخر، وله خصوصيته، كما للفرد. ومعروف أنه ينتج غالبا عن تشابه المصالح والقيم، بين البشر (بأي صورة تجسدوا) تحاب وتعاون، وعن اختلافهم تنافر وصراع.

ويعتبر الفيلسوف السياسي الشهير صامويل هنتجتون من أكثر من كتبوا عن تنافر وصراع الحضارات. وأطروحته صدرت عام 1996م، بعنوان «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي». وقد عرفت أطروحته بـ«صراع الحضارات»، ونالت اهتماما عالميا وأكاديميا، في كل مكان. وملخص رأيه يشير إلى أن الهويات الثقافية والدينية (Cultures) المختلفة ستكون قريبا، هي المحرك الأساسي للصراع بين دول العالم.

ويرى أن أكثر حضارة معرضة للاصطدام بالغرب والحضارة الغربية هي الحضارة الإسلامية. فالخلاف بين الحضارتين جذري، خاصة بين قيم الإسلام، العقدية والثقافية، وبين القيم الغربية القائمة على العلمانية. مما يسبب - في رأيه - توترات سياسية حادة، كثيرا ما تتحول الى صراعات وحروب.

ويرى بعض المفكرين أن ما يسمى بالصراع هو، في جوهره، صراع وخلاف مصالح، وهيمنة سياسية واقتصادية، وليس حتمية دينية. ويرى هنتجتون أن العلاقات بين الغرب والمسلمين هي علاقات قائمة على العداء أصلا، بسبب تنافر القيم هذا. فهناك تنافر عقائدي عنيف بين الطرفين، بعيدا عن مبدأ التعايش السلمي. ولكن هذه النظرة تتجاهل كون الحضارة الغربية تحاول فرض ثقافتها على جميع حضارات العالم، وخاصة العالم الإسلامي. فهناك من يحاولون إثارة الفتن بين الغرب والمسلمين، اعتمادا على محتوى هذه الأطروحة وغيرها.