لماذا تتفوق بعض الدول في التعليم؟
ياسر عمر سندي2 دقائق للقراءةحجم الخط
لم يعد التعليم مجرد خدمة يتم تقديمها للطلاب، بل أصبح معيارا أساسيا لنهضة الدول ونموها التنافسي، فالاستثمار في الإنسان هو الأكثر أثرا وتأثيرا، وهو ما تؤكده التجارب التعليمية الرائدة التي استعرضتها المؤلفة البريطانية لوسي كريهان في كتابها «دول رائدة في التعليم».
عند قراءتي للكتاب واطلاعي للسيرة الذاتية للمؤلفة وجدتها باحثة في سياسات التعليم المقارن ومستشارة دولية في إصلاح التعليم والمناهج؛ وتعمل كمراجعة دولية للتقارير التعليمية؛ تحمل شهادة علم النفس من جامعة أكسفورد وماجستير التربية من جامعة كامبريدج؛ تنقلت بين العديد من الدول ذات الأداء التعليمي العالي مثل فنلندا وكندا واليابان وسنغافورة والصين؛ عملت في مختلف البيئات التعليمية واقتبست منهم التجارب والمحاكاة الواقعية.
ركزت في كتابها على خمسة مبادئ استراتيجية، وأوضحت خلالها أن التفوق التعليمي للدول المذكورة لم يعتمد على حجم الإنفاق فقط، بل على السياسات والممارسات اليومية داخل المدرسة:
أولا: الإيمان بقدرة جميع الطلاب على النجاح، ووضع توقعات عالية لهم، بعيدا عن الأحكام المسبقة التي تحد من إمكاناتهم.
ثانيا: المعلم كونه الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي، لذلك تحرص الأنظمة التعليمية المتقدمة على استقطاب الكفاءات، وتأهيلهم علميا وعمليا، وتوفير فرص التدريب المستمر، لأن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم.
ثالثا: التركيز على الانضباط المدرسي بوصفه قيمة تربوية تعزز الاحترام وتبني المسؤولية والعمل الجماعي، فالمدرسة الناجحة هي التي تغرس في طلابها ثقافة الالتزام والانتماء، مما ينعكس إيجابا على بيئة التعلم.
رابعا: بناء مناهج تركز على اللغة الأم للدولة وماذا يتحدث الشعب في الأصل كلغة تواصل بينهم ليعتز الطلاب بقيمتهم الوطنية، وثقافتهم المحلية، وإرثهم الممتد أولا، ثم إتقان المهارات الداعمة مثل تعلم اللغات الأخرى، فالطالب القادر على التفكير والتحليل وحل المشكلات بلغته الأم يصبح أكثر استعدادا لمواجهة تحديات المستقبل.
أما المبدأ الخامس: فهو التحسين المستمر من خلال التقييم والتغذية الراجعة، حيث يتم استخدام نتائج الأداء لتطوير المدارس؛ والمعلمين والطلاب بصورة مستمرة، مما يجعل تطويرهم عملية مستدامة.
تؤكد هذه المبادئ على أن نجاح التعليم ليس حكرا على دولة بعينها، بل هو ثمرة جهود مخططة، وقيادة واعية، وشراكة مجتمعية تؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان.
من خلال ما تم سرده أرى بأن الدول المتقدمة حققت بناء منظوماتها التعليمية بجعل التعليم مشروعا وطنيا يستثمر في الطلاب لتحقيق الرؤية الواضحة والإرادة الجادة.
نحن مدعوون لاستلهام التجارب الناجحة سالفة الذكر، فنهضة الأمم وتقدمها يبدآن من المدرسة والإدراك بأن التعليم ليس رفاهية، بل الطريق الأول لتنمية العقول وصناعة الأجيال القادرة على المنافسة؛ هنا يصبح التعليم أولوية وطنية ليصنع مستقبلا أكثر إشراقا، وتتحول المدرسة لنقطة انطلاق نحو التنمية وجودة الحياة بمشيئة الله.
Yos123Omar@
