رؤية تقود وإدارة تنجز: التحول المؤسسي لجامعة الملك سعود
عدنان عبدالله الشيحة4 دقائق للقراءةحجم الخط
وراء الإنجازات التنموية المتتالية في المملكة فلسفة راسخة في إدارة الشأن العام، قوامها علاقة تكاملية بين السياسي والإداري. فالسياسي يصنع الرؤية، ويحدد الأولويات، ويعبر عن الإرادة الوطنية، بينما يتولى الإداري تحويل هذه الإرادة إلى سياسات وبرامج ومشروعات ونتائج ملموسة، تفيض بالخير العميم على الوطن والمواطنين، لتتحقق الغاية الأسمى للعمل الحكومي.
ولعل الناظر إلى تجارب دول ومجتمعات أخرى يدرك أهمية هذا التكامل بوصفه شرطا أساسا لتحقيق التنمية، إذ لا تكفي وفرة الموارد الطبيعية وحدها لصناعة الاستقرار والازدهار. فهناك دول تمتلك أضعاف ما تملكه المملكة من أنهار وأراض خصبة وثروات معدنية وزراعية وحيوانية، فضلا عن مناخ معتدل وطبيعة خلابة، لكنها عجزت عن تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة، بل وحتى توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وصون حقوق الأفراد، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتحقيق الرفاه الاجتماعي. وفي المقابل، نجحت المملكة، في ظل حكم رشيد يستند إلى القيم الدينية والتقاليد العربية الراسخة والبيعة الشرعية، في بناء دولة مستقرة وحديثة، وتحويل مواردها وإمكاناتها إلى تنمية متسارعة وتحسين مستمر في جودة الحياة والرفاه الاجتماعي.
ولقد كنت شاهد عيان على صورة من صور هذا التكامل التنموي، جسدتها التجربة الثرية بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، السياسي المحنك، حين كان أميرا لمنطقة الرياض، وسمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف، الإداري المقتدر، حين كان أمينا لها. ففي ظل هذا التكامل بين الرؤية السياسية والقدرة الإدارية على التنفيذ، تحولت الرياض في وقت قياسي إلى عاصمة عصرية تضاهي كبريات المدن العالمية، وأصبحت تجربة تطويرها أنموذجا بارزا في الإدارة الحضرية والتنمية المحلية.
واليوم، يتجدد هذا المشهد بصدور الأمر الملكي الكريم بإعادة تشكيل مجلس إدارة جامعة الملك سعود برئاسة سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف، في اختيار يعكس قراءة واعية لشخصية قيادية ارتبط اسمها، على مدى عقود، بمسارات التغيير وصناعة التحول المؤسسي، وجمعت بين التميز العلمي والخبرة العملية الثرية. فقد راكم سموه رصيدا واسعا من التجارب النوعية، بدءا من قيادته مشروع الانتخابات البلدية، وتأسيسه مركز الإدارة المحلية، وإسهاماته في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن»، ومرورا بدوره في تأسيس جامعة الأمير سلطان، وصولا إلى مسؤولياته مستشارا لخادم الحرمين الشريفين، ونائبا لوزير الداخلية، ونائبا لوزير الحرس الوطني. وهي خبرات متراكمة أكسبته فهما عميقا لديناميكيات المؤسسات العامة، وقدرة على الجمع بين التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى والحزم في التنفيذ. وقد انعكست هذه الخبرات في نهجه الإداري المرتكز على تعزيز التعلم التنظيمي، وتجاوز الجمود البيروقراطي، وإتاحة مساحة أرحب للتعبير والمبادرة وتبادل المعرفة، وترسيخ روح الفريق، وتمكين العاملين من تطوير أدائهم، بما يسهم في بناء قدرة مؤسسية مرنة، قادرة على التعلم المستمر، والتكيف مع المتغيرات، وتحقيق الإنجاز.
ومن هنا، تأتي رئاسته لمجلس جامعة الملك سعود في مرحلة مفصلية من تاريخ الجامعة، إذ تقف اليوم أمام استحقاق يتجاوز مجرد الاستفادة من الاستقلال النظامي الذي تحقق بصدور نظامها الجديد قبل ما يقارب أربعة أعوام، إلى بناء استقلال مؤسسي فعلي يترجم النص النظامي إلى ممارسة إدارية ومالية وأكاديمية قادرة على صناعة القرار وتحمل مسؤوليته.
ويتمثل أحد التحديات الرئيسة في التحول المؤسسي الانتقال من نمط الإدارة المالية التقليدية القائمة على ميزانية البنود إلى إدارة مالية أكثر مرونة ترتبط بالأداء والنتائج، وتخصيص الموارد وفق أولويات الجامعة، ضمن أطر متينة من الحوكمة والشفافية والمساءلة وقياس نتائجها، وتحمل مسؤولية مخرجاتها. ومن شأن هذا الاستقلال أن يمكن الجامعة من التكامل مع الحراك الإصلاحي والتحولي الشامل الذي تشهده المملكة، وأن تبدأ فصلا جديدا يعيد تموضعها على خريطة التعليم العالي والبحث العلمي عالميا، لا بوصفها واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في المنطقة فحسب، وإنما بوصفها مؤسسة قادرة على إنتاج المعرفة، واستقطاب الكفاءات والمواهب العالمية، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وصناعة الأثر. ويتطلب ذلك بناء بيئة أكاديمية مرنة ومتميزة، تعزز نهج التعليم الريادي، وتدعم البحث العلمي النوعي، وتستقطب الطلبة المتميزين، وتحول المعرفة والابتكار إلى حلول وخدمات ذات قيمة للمجتمع والاقتصاد.
ومع وجود إرادة سياسية واضحة لدعم هذا التحول، وقيادة إدارية تستند إلى سجل حافل في ترجمة الطموحات إلى واقع ملموس، تقف جامعة الملك سعود أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج سعودي رائد في إدارة مؤسسات التعليم العالي، نموذج يجعل من الاستقلالية المالية والإدارية أداة لصناعة التميز، ومن الحوكمة وسيلة للتمكين والإنجاز، ومن الجامعة شريكا فاعلا في تحقيق التنمية المحلية في مدينة الرياض. ولتتجلى مرة أخرى حقيقة أثبتتها التجربة السعودية مرارا أن التحولات التنموية تصنعها «رؤية تقود وإدارة تنجز».
