عمر المضواحي.. ذاكرة مكية لا يغيبها الرحيل
حسن عبدالعزيز مكاوي4 دقائق للقراءةحجم الخط
مع بدايات عام 1434هـ، نشأت المبادرة المكية «معاد» لتعزيز الهوية المكية والعناية بالآثار والمعالم التاريخية، ومن خلالها تعرفت عن قرب على الأستاذ عمر المضواحي - رحمه الله -، أحد الأسماء التي تركت حضورا مميزا في المشهد الثقافي والإعلامي المكي.
ومع مرور الوقت، وتعدد اجتماعات فريق المبادرة ولقاءاته، أتاحت لي تلك المرحلة فرصة الاقتراب أكثر من عمر، والتعرف على شخصيته، وما كان يحمله من شغف بمكة المكرمة وتاريخها، واهتمام بتوثيق معالمها وإبراز جوانبها الثقافية والتاريخية، خصوصا ما يتصل بالآثار والمعالم النبوية فيها.
واليوم، ونحن نستعيد شيئا من سيرته في الذكرى الحادية عشرة لوفاته، في 9 ربيع الأول 1437هـ، نستحضر كيف بقي عمر المضواحي حاضرا في الذاكرة، بما تركه من أثر في من عرفه، وبما قدمه لمكة المكرمة وأهلها من عطاء يستحق أن يستعاد ويوثق.
ومما كتبه الأستاذ تركي الدخيل في رثائه لعمر في صحيفة «عكاظ»، كلمات تختصر جانبا مهما من شخصيته، فقال «كان عمر المضواحي رحمه الله، ابن مكة البار، يقدسها، حرمها ومعالمها وتراثها، بناؤها وعمرانها، ويشتعل كفتيل قنبلة تنفجر في وجه من يقترب من قداستها!»
كان عمر المضواحي رحمه الله، البارع الأكبر في الصحافة الاستقصائية، حين عمل بمؤسسات عديدة من بينها مجلة «المجلة» وجريدتا «الوطن» و«مكة».
مزج التاريخ بالصحافة في أعماله وكتاباته التي تتبع من خلالها الآثار النبوية، في المدينة المنورة ومكة المكرمة، فهو مؤرخ مكة وكاتب سيرة أماكنها وتفاصيلها.
«لو جامل المضواحي يوما، ولو لم تصل هذه المجاملة إلى حد التزلف، لبلغ مناصب إعلامية يشار إليها بالبنان، لكنه اختار النوم على وسادته، وضميره متيقظ، حتى رحل عن دنيانا، وبقي ضميره حيا».
«لقد قال عمر المضواحي كلمته، ومضى، مرفوع الرأس، براية بيضاء نظيفة، لا استسلاما، فمثل عمر لا يستسلم، ولولا حقيقة الموت، لما سلم له».
ولم يكن هذا الوصف، في نظري، مجرد كلمات قيلت في رثاء عمر بعد رحيله؛ فقد صاحبت عمر، وجلست معه، وشاركت في عدد من لقاءات المبادرة، ورأيت عن قرب صراحة موقفه، ووضوح كلمته، وحرصه على قول ما يؤمن به دون مواربة، وبقاء ضميره فوق أي اعتبار. وكان شغفه بمكة يتجاوز حدود الاهتمام العابر؛ فقد كان يتعامل مع قضاياها بمسؤولية شخصية، ويشعر بأن تاريخها ومعالمها وذاكرتها أمانة تستحق الدفاع عنها. فعمر لم يكن يبحث عن إرضاء الآخرين، أو عن موقع أو مكسب شخصي، بقدر ما كان منشغلا بالحقيقة التي يؤمن بها، وبمكة التي حمل قضيتها في قلبه وقلمه.
وقد بدأ الأخ عمر نشر موضوعاته في صحيفة «مكة» مع نهاية عام 1434هـ، واستمر فيها حتى وفاته رحمه الله عام 1437هـ. وكانت هذه الموضوعات غنية بالمعلومات والوثائق والقراءات التاريخية والجغرافية، وتثير النقاش حول قضايا مكة وتاريخها في الأوساط الصحفية والإعلامية والثقافية.
ومن أبرز ما نشره:
- الكسوة السلمانية الأولى.. للكعبة المشرفة
- يا زين لبس أهل مكة
- المُدّعى إحياء مسار سوق الألف عام في مكة النبوية
- مكة من السماء.. معراج يحلق في آفاق القدسية التاريخية
- الموت في مكة.. حياة!
- بئر طوى نبوية... والدليل جغرافي
- الحديبية... عودة الروح إلى المكان والمكانة
- عودة قباب سنان.. للمسجد الحرام
- مئذنتان جديدتان.. للمسجد الحرام
- تعديات مكة.. تلتهم السدود الأموية
- مستودع للحديد.. يلتهم بئر الحديبية
- إسقاط الرواق الشرقي حول صحن المطاف
- تطورات مرض وعلاج سادن الكعبة الثامن.. في العهد السعودي
- خبير جغرافي.. يطالب بتعديل حدود مزدلفة إلى وضعها الشرعي الصحيح
- مزدلفة.. تعيد الرواق العثماني
- موقع المولد النبوي.. أبراج وسكن فاخر لأئمة الحرم
- مصارعة السومو... في الدفاع عن بئر طوى
- أنين خندمة ينهي مسار جيش فتح مكة المكرمة
- 6 أطنان من ذهب زبيدة تسقي الماشية بدل الحجيج
- مكة المكرمة عام 1297هـ
وكان آخر تحقيق عمل عليه ونشر بعد وفاته بعنوان «18 عمودا من الرواق تحن إلى البيت العتيق»، ليكون واحدا من الشواهد على انشغاله الدائم بتاريخ المسجد الحرام ومكة الكرمة.
ومن يقرأ ما كتبه الأخ عمر في تلك السنوات، يرى صورة لمكة في مرحلة مهمة من تاريخها المعاصر، شهدت تحولات عمرانية وحضرية واسعة، ونقاشا حول العلاقة بين التطوير والمحافظة على الذاكرة التاريخية للمكان، كما يلمس في كتاباته رؤيته المستقبلية لتطوير الأماكن التاريخية والعناية بها. ولذلك، فإن موضوعاته وتحقيقاته تتجاوز كونها أرشيفا صحفيا، لتشكل وثائق ترصد جانبا من تحولات مكة، وتكشف اهتمامه بالتراث والهوية المكية.
وليت أخي عمر بيننا اليوم، لتقر عينه بما تشهده الأماكن المقدسة من عناية وتطوير، وما تلقاه من اهتمام ورعاية من الدولة، تحقيقا لمستهدفات رؤية المملكة 2030.
ومن هنا، أرى أن سيرة عمر المضواحي تستحق أن تتجاوز حدود الذكريات الشخصية والمواد الصحفية المتفرقة، وأن تتحول إلى كتاب يوثق سيرته ومسيرته في الصحافة والإعلام، وعلاقته بمكة المكرمة، وما جمعه ووثقه من معلومات وصور ووثائق وموضوعات رصدها بعين الصحفي الباحث، المدافع عن ذاكرة المكان.
وجمع هذا التراث وإخراجه في عمل موثق سيكونان وفاء لرجل جعل من مكة قضية دائمة الحضور في كتاباته واهتمامه، وترك خلفه مادة ثرية تستحق ألا تبقى متناثرة في صفحات الصحف وذاكرة من عرفوه.
رحم الله اخي عمر المضواحي؛ فقد رحل الجسد، وبقيت كلماته شاهدة على رجل أحب مكة، ودافع عن ذاكرتها، وحاول أن يترك للأجيال شيئا من تاريخها.
makkawicom@
