يثير تشخيص أحد الأطفال التوائم بداء السكري كثيرا من القلق لدى الوالدين، خاصة عندما يكون الطفلان متشابهين في الصفات الوراثية والبيئية ويعيشان الظروف نفسها، فمن الأسئلة التي يطرحها الآباء على الأطباء هي: أصيب أحد طفلي التوأمين بداء السكري، فهل يعني ذلك أن الطفل الآخر سيصاب به أيضا؟ 

والإجابة الطبية المختصرة هي أن الأمر ليس بهذه البساطة كما يعتقد أو يتصور البعض، فالإصابة بداء السكري لا تعتمد على عامل واحد فقط، بل تتداخل فيها مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية والمناعية، فحتى بين التوائم المتطابقة، الذين يشتركون في المادة الوراثية نفسها تقريبا، إذ يمكن أن يصاب أحدهما بمرض معين بينما يبقى الآخر سليما لسنوات طويلة أو ربما طوال حياته، وبذلك فإن العلاقة بين التوائم وداء السكري تختلف باختلاف نوع المرض، فالسكري من النوع الأول يختلف في طبيعته وأسبابه عن السكري من النوع الثاني، ولذلك تختلف نسبة احتمال اشتراك التوأمين في الإصابة.

وحتى تكون الصورة واضحة فالسكري النوع الأول هو مرض مناعي ذاتي يحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس، وتلعب الوراثة دورا مهما، لكنها ليست العامل الوحيد، فقد أظهرت دراسات أجريت على التوائم المتطابقة أن أحد التوأمين قد يصاب بالمرض بينما لا يصاب الآخر، رغم التشابه الجيني الكبير بينهما، وهذا يشير إلى أن هناك عوامل أخرى، مثل بعض الفيروسات أو المؤثرات البيئية أو التغيرات المناعية، قد تسهم في ظهور المرض لدى طفل دون الآخر.

أما السكري من النوع الثاني، فتبدو الصورة مختلفة نسبيا، إذ إن العامل الوراثي يكون أكثر وضوحا وتأثيرا، ولذلك فإن إصابة أحد التوأمين، خصوصا إذا كانا متطابقين، ترفع احتمالية إصابة الآخر بدرجة أكبر مقارنة بالنوع الأول، ومع ذلك فإن الإصابة ليست حتمية، لأن نمط الحياة يلعب دورا أساسيا في ظهور المرض أو تأخير حدوثه.

وخلال العقود الماضية شكلت التوائم مادة علمية مهمة للباحثين لفهم العلاقة بين الوراثة والبيئة في حدوث الأمراض المختلفة، فقد أجريت دراسات واسعة في الولايات المتحدة وفنلندا والسويد وبريطانيا وأستراليا لمتابعة آلاف التوائم على مدى سنوات طويلة، وأظهرت هذه الدراسات أن التوائم المتطابقة أكثر عرضة للاشتراك في الإصابة بالأمراض الوراثية مقارنة بالتوائم غير المتطابقة، لكن نسب التوافق لا تصل عادة إلى 100%، وهو ما يؤكد أن الجينات وحدها لا تفسر جميع الحالات المرضية.

وفيما يتعلق بالسكري، وجدت الدراسات أن نسبة التوافق في الإصابة بالنوع الأول أقل من النوع الثاني، بينما ترتفع معدلات الاشتراك في النوع الثاني بشكل ملحوظ بسبب التأثير الوراثي القوي المصاحب له، كما بينت الأبحاث أن زيادة الوزن وقلة الحركة والعادات الغذائية غير الصحية قد تكون العامل الحاسم الذي يدفع الاستعداد الوراثي إلى التحول إلى مرض فعلي.

ويظل السؤال هنا: لماذا قد يصاب أحد التوأمين بالسكري ولا يصاب الآخر؟
والجواب: رغم التشابه الكبير بين التوأمين، إلا أن هناك فروقا دقيقة قد تتراكم مع مرور الوقت وتؤثر في صحتهما، فقد يختلف مستوى النشاط البدني بينهما، أو طبيعة الغذاء الذي يفضله كل طفل، أو معدل زيادة الوزن، أو حتى درجة التعرض للتوتر والضغوط النفسية، كما تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود ما يعرف بالتغيرات فوق الجينية، وهي تغيرات تؤثر في طريقة عمل الجينات دون أن تغير تركيبها الأساسي، وهذه التغيرات قد تجعل أحد التوأمين أكثر عرضة للإصابة ببعض الأمراض مقارنة بشقيقه، رغم امتلاكهما الشفرة الوراثية نفسها.

ونأتي إلى جانب كيفية وقاية الأبناء من السكري وتحديدا النوع الثاني؟
لا شك أن السكري من النوع الثاني يعتبر من أكثر الأمراض التي يمكن الوقاية من نسبة كبيرة من حالاتها من خلال اتباع نمط حياة صحي، وتبدأ الوقاية منذ الطفولة من خلال تعزيز العادات الصحية داخل الأسرة، وينصح بالحرص على توفير غذاء متوازن غني بالخضراوات والفواكه، مع تقليل المشروبات الغازية والعصائر المحلاة والوجبات السريعة، كما ينبغي تشجيع الأبناء على ممارسة النشاط البدني لمدة لا تقل عن ساعة يوميا، والحد من الوقت الذي يقضونه أمام الهواتف والأجهزة الالكترونية، ومن المهم كذلك مراقبة أوزان الأبناء بصورة دورية، لأن السمنة تعتبر من أبرز عوامل الخطر المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، كما أن المتابعة الطبية المنتظمة للأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض تساعد على اكتشاف أي مؤشرات مبكرة والتعامل معها في الوقت المناسب.