خلال ندوة حضرتها لمناقشة سِيَر عدد من الشخصيات السينمائية والأدبية، لفتني كيف استطاعت بعض الشخصيات التاريخية أن تتجاوز حدود زمنها لتتحول إلى رموز عالمية؛ ليس لأنها كانت حاضرة في التاريخ فحسب، بل لأن الأدب والسينما أعادا اكتشافها، وأحسنا صياغة قصصها وتقديمها إلى الجمهور ضمن هوية سردية واضحة.

تأملت حينها كيف تحولت شخصية عالم الرياضيات الأمريكي «جون ناش» إلى رمز عالمي بعد أن قدمها فيلم A Beautiful Mind بوصفها قصة إنسان قاوم المرض وواصل طريقه نحو إحداث أثر في العلوم، وكيف أصبحت شخصية «سبارتاكوس» رمزا أدبيا وسينمائيا للتمرد على العبودية والبحث عن الحرية.

هذه الشخصيات، ومئات غيرها، لم تصل إلى وجدان الأجيال باعتبارها أحداثا تاريخية مجردة، وإنما عبر التوثيق وإعادة الصياغة الأدبية والسينمائية، حتى تحولت من صفحات في الكتب إلى رموز حية قابلة لإعادة التوظيف في الثقافة والتعليم والسياحة والاقتصاد الإبداعي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فأعظم استثمار للأمم ليس فيما تملكه من موارد، بل فيما تحسن روايته عن نفسها؛ لأن الحكاية حين تحفظ وتحسن صياغتها، لا تخدم الماضي وحده، بل تمنح الحاضر معنى، والمستقبل جذورا يستند إليها.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا نعتمد كثيرا على الشخصيات الأيقونية التي صنعتها الرواية العالمية، بينما لا نزال نملك في تراثنا العربي والسعودي شخصيات قادرة على إنتاج الحكاية نفسها وربما بصورة أكثر ثراء؟

لنأخذ «روبن هود» مثالا؛ الشخصية التي رسختها الثقافة الشعبية بوصفها رمزا لمن يأخذ من الأغنياء ليعين الفقراء. ألا يمكن لصناعة الدراما أن تعيد اكتشاف «عروة بن الورد»، ذلك الشاعر والفارس الذي ارتبط اسمه بالمروءة وإغاثة المحتاجين، وتقدم سيرته إلى الأجيال الجديدة في قالب درامي معاصر؟

وعلى غرار ما حققته السينما بجعل «إل سيد» رمزا سرديا مرادفا للتاريخ الإسباني، يمكن لصناعة الدراما العربية استكشاف شخصيات تاريخية من الجزيرة العربية، كالفارس «ربيعة بن مكدم الكناني»؛ ذلك البطل الذي خلد في الموروث العربي بفروسيته وحمايته للظعائن، وتحويل سيرته إلى قصة إنسانية ذات طابع سينمائي، تجسد بامتياز الوصف الرمزي القائل: حمى قومه حيا وميتا.

المسألة هنا ليست البحث عن بدائل عربية لشخصيات عالمية، وإنما اكتشاف ما لدينا أصلا من قصص لم تأخذ فرصتها في إعادة الإنتاج الثقافي.

ومن هذه الزاوية، يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحا: لماذا لا تحضر الجغرافيا السعودية في الدراما التاريخية بالقدر الذي تستحقه؟!

ففي عدد من الأعمال الدرامية التي تتناول أحداثا وشخصيات عربية، قد تمر الجغرافيا التي نشأت فيها الحكاية دون أن تحظى بالدور السردي الذي يمكن أن تمنحه لها؛ فتذكر الشخصية، بينما يغيب المكان، وتروى القصة، بينما تتوارى المدن والطرق والجبال والواحات التي صنعت جزءا من تفاصيلها، وهذا ليس تفصيلا بصريا هامشيا، بل جزء من الحكاية نفسها.

فعندما نقول نجد، أو الحجاز، أو اليمامة، أو حنين، أو غيرها من المواقع التي ارتبطت بأحداث وشخصيات تاريخية، فإننا لا نحدد نقطة على الخريطة فحسب؛ بل نستحضر طبقة من الذاكرة واللغة والعادات والتضاريس والإنسان.

والمملكة اليوم لا تفتقر إلى المادة التي يمكن أن تبنى عليها هذه القصص؛ بل تمتلك إرثا تاريخيا وثقافيا متنوعا، وتوثيقا متناميا لمواقعها وشخصياتها، حتى أصبحت ثمانية مواقع سعودية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كان آخرها المنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية عام 2024.

وتعد «الفاو» مثالا جليا على أن المكانة السعودية لا تقتصر على قيمتها المحلية فحسب؛ إذ تصفها «اليونسكو» بأنها شاهد استثنائي على تعاقب الحضارات وتفاعل الإنسان مع بيئته في قلب الجزيرة العربية، حيث تضم آلاف البقايا الأثرية التي تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى أواخر العصر الجاهلي.

فإذا كان هذا المكان قد أضحى جزءا من التراث الإنساني المعترف به عالميا، فلماذا لا نجعله أكثر حضورا في صناعتنا الدرامية؟

هنا تقع مسؤولية مهمة على كتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين؛ فحين تستلهم الدراما قصة تاريخية نشأت في أرض المملكة، فإن استحضار المكان باسمه الحقيقي وتضاريسه وملامحه لا ينبغي أن يكون مجرد خيار جمالي، بل عنصر من عناصر صدق الحكاية.

إن جبال الحجاز، ورمال نجد، ونخيل الأحساء، وطرق القوافل، والواحات، والقرى التاريخية، ليست مجرد مواقع تصوير يمكن استبدالها بأي خلفية أخرى؛ إنها عناصر سردية تمنح القصة هويتها ومصداقيتها.

والأمر لا يتوقف عند الدراما حين تبنى الشخصية التاريخية على نحو صحيح، يمكن أن تتحول إلى ملكية فكرية قابلة لإعادة الاستثمار؛ تبدأ من كتاب موثق، ثم تتحول إلى رواية أو مسلسل أو فيلم، ثم إلى محتوى تعليمي، وتجربة سياحية، ومعرض، ومنتجات ثقافية، وربما إلى شخصية يعرفها الطفل والطالب والسائح كما يعرف اليوم شخصيات صنعتها صناعات ثقافية أخرى، وهنا يصبح الاستثمار في الحكاية استثمارا في الإنسان والمكان معا.

لقد قطعت المملكة خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في توثيق تراثها وإبرازه عالميا، وأصبح لدينا اليوم رصيد متنام من المواقع والشواهد التاريخية التي يمكن أن تكون أساسا لصناعة سردية سعودية أكثر حضورا في الداخل والخارج.

وعلى الرغم من أهمية هذا الجهد المؤسسي وكونه ركيزة لا غنى عنها، إلا أنه يظل بحاجة إلى ظهير مجتمعي يكمله؛ فالمعلومات المدونة في السجلات لا تصل إلى وجدان الأجيال إلا بتبني المبدعين والكتاب والمنتجين لها، كما أن المواقع المدرجة في القوائم الدولية لا تتحول إلى قصص حية في الذاكرة الشعبية إلا حين يمنحها المجتمع الثقافي صوته وأدواته الإبداعية، لتنتقل هذه المعرفة من مرحلة التوثيق إلى مرحلة إنتاج الحكاية.

أن نكتب عن أبطالنا، ونصور قصصهم، ونستعيد أمكنتهم، ونمنح أسماء المدن والمناطق حضورها الطبيعي داخل العمل الدرامي، حتى لا يصبح المكان مجرد ديكور، ولا الشخصية مجرد اسم في كتاب.

لم يعد التنافس العالمي اليوم مقتصرا على امتلاك التاريخ فحسب، بل يتجاوزه إلى القدرة على روايته وإعادة إنتاجه وتقديمه للأجيال وللعالم؛ فمن يملك الحكاية، يملك جزءا من الصورة التي تتشكل في ذاكرة الآخرين عنه.

لذا، ليس السؤال الحقيقي: لماذا لا تذكر الدراما المدن السعودية؟ بل: متى سنبدأ بصناعة دراما تجعل المكان السعودي جزءا من بطل الحكاية؟ فالحكاية الصادقة هي التي تروى من قلب مكانها، وبأسمائها وتفاصيلها الإنسانية؛ إذ لا يعني حفظ الذاكرة إبقاءها حبيسة الكتب، بل منحها حياة جديدة تلمس الأجيال وتعيشها.

moha_alm@