اعتدنا أن نربط مشاعرنا بالمواعيد. ننتظر الأعياد لنهنئ، والمرض لنسأل، والنجاح لنبارك، والحزن لنواسي. كأن الود لا يملك حق الظهور وحده، وكأن عليه أن ينتظر حادثة تفتح له الباب كي يعبر.
لكن أجمل ما يصل إلى الإنسان هو ذلك الذي يأتيه دون سبب ظاهر: رسالة قصيرة تسأله عن حاله في يوم عادي، اتصال لا يحمل طلبا، زيارة لم يسبقها مرض، أو كلمة امتنان لا ترتبط بخدمة قدمها للتو. هذه الأشياء البسيطة لا تغير مجرى الحياة، لكنها تمنح القلب شعورا عميقا بأنه حاضر في ذاكرة أحد، حتى عندما لا يحدث شيء يستدعي تذكره.
في زحام الأعمال، قد نظن أن من نحبهم يعرفون مكانتهم لدينا، فلا نقول شيئا. نطمئن إلى استمرارهم في حياتنا، ونؤجل السؤال عنهم لأننا سنراهم لاحقا، ونؤخر الكلمة الطيبة لأن الفرص كثيرة. غير أن العلاقات لا تعيش بالمعرفة الصامتة وحدها؛ إنها تحتاج من حين إلى آخر إلى إشارة صغيرة تؤكد أن الود لم يتحول إلى مجرد ذكرى مستقرة في القلب.
كم من أم أسعدها اتصال قصير من ابنها لا يريد شيئا، وكم من صديق بدد عنه سؤال عابر شعورا ثقيلا بالوحدة، وكم من قريب أعادت إليه زيارة بسيطة إحساسه بأنه لا يزال جزءا من حياة الآخرين. وربما لا يخبرنا هؤلاء بما صنعناه في نفوسهم؛ يكتفون بالابتسام، بينما تظل اللفتة في داخلهم وقتا أطول مما نتوقع.
الود المرتبط بالمناسبات جميل، لكنه متوقع. أما الود الذي يأتي بلا مناسبة، فإنه يحمل معنى مختلفا؛ لأنه لا يبدو واجبا اجتماعيا ولا استجابة لظرف، بل اختيار خالص. نحن نسأل لأننا اشتقنا، ونزور لأن الغياب طال في قلوبنا، ونقول الكلمة لأن صاحبها يستحق أن يسمعها، لا لأن التقويم ذكرنا به.
وليس المقصود أن تتحول العلاقات إلى حضور متواصل يرهق أصحابه، فلكل إنسان انشغالاته. إنما يكفي ألا يصبح الانشغال عذرا دائما، وألا نترك المسافات تكبر حتى لا يعود العبور ممكنا إلا عند الأزمات. فقد تحفظ العلاقة رسالة من سطر واحد، ويعيد الدفء إليها سؤال بسيط جاء في وقته.
نحن لا نعرف دائما ما الذي يمر به الآخرون خلف وجوههم الهادئة. قد تصل كلمتنا إلى شخص في اللحظة التي بدأ فيها يظن أنه منسي، فتخبره، دون قصد منا، أن له مكانا لا يزال محفوظا.
إن الود الحقيقي لا ينتظر أن تمنحه الأيام مناسبة؛ فهو يصنع مناسبته بنفسه. وحين نتذكر الناس في الأيام العادية، فإننا لا نملأ أوقاتهم فحسب، بل نمنحهم ذلك الشعور الإنساني الجميل: أن المحبة لا تحتاج إلى حدث كي ترى، وأن الإنسان قد يكون سببا كافيا للسؤال عنه.
الود الذي لا يحتاج إلى مناسبة
أحمد مجرشي2 دقائق للقراءةحجم الخط
