في صيف لبناني هادئ، كانت المصادفة تمشي على مهل قبل أن تصطدم بقدر كبير، فتغير حياة شاب كان يستعد ليصبح طبيبا.
لم يكن محمد العدناني يتخيل أن قصيدة سيقرؤها أمام أحمد شوقي ستفتح له بابا جديدا في الحياة، وأن بيتا واحدا من الشعر سيهز قلب أمير الشعراء حتى ينهض ليقبل جبين صاحب الموهبة، معلنا ميلاد شاعر يولد من لحظة لا تنسى.
كانت تلك اللحظة أكثر من إعجاب عابر؛ كانت إعلانا لمصير جديد.
أمضى العدناني أربع سنوات في كلية الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت، يسير في طريق مهني واضح، لكنه طريق لا يترك مساحة لنبض الشعر، وحين أنشد أمام شوقي بعضا من شعره، ثم قرأ عليه معارضته لقصيدة الحسن بن زريق، خرجت الكلمات من عمق صادق، حتى وصل إلى أبياته المؤثرة:
رأيته عندها والدمع مضطرب
الجفن يحبسه والوجد يدفعه
ثم قال:
وفي المآقي دموع لست تنظرها
وفي الضلوع أنين لست تسمعه
في تلك اللحظة، لم يكن شوقي يستمع فحسب؛ كان يرى موهبة لا يمكن أن تترك في قاعات التشريح، ويرى شاعرا يولد أمامه، فنهض وقبل جبين العدناني، وأصر عليه أن يترك الطب ويتجه إلى الأدب، واعدا إياه بأن يكون أبا روحيا له.
لم يكن ذلك اللقاء مجرد لحظة عاطفية، بل كان نقطة تحول صنعت واحدا من أبرز علماء اللغة العربية في القرن العشرين، فبعد انتقاله إلى كلية الآداب، انصرف العدناني إلى اللغة بحدس يشبه حدس الطبيب الذي تركه خلفه؛ يشرح الكلمات، ويعالج الجمل، ويعيد للعربية نقاءها.
من هذا الشغف ولد معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، ثم معجم الأخطاء الشائعة، وهما عملان تحولا إلى مرجعين أساسيين لكل من يكتب العربية أو يعتني بها.
لم يكن العدناني لغويا تقليديا؛ كان صاحب مشروع لغوي متكامل، يسعى إلى حماية العربية من شوائب الاستعمال اليومي، ويعيد لها دقتها التي تليق بتاريخها، ومع الزمن، أصبح واحدا من أهم علماء اللغة، لا لأنه درسها أكاديميا فحسب، بل لأنه أحبها بعمق جعلها محور حياته.
قصة العدناني الذي رحل عنا في 5 أغسطس 1981 وشوقي ليست مجرد حكاية من الماضي؛ إنها تذكير بأن الإبداع لا يصنع في المختبرات، بل في اللحظات التي يلتقي فيها القلب بمن يفهمه، وأن كلمة واحدة، أو قبلة على الجبين، قد تغير حياة كاملة... وتفتح بابا لا تفتحه سنوات طويلة من الدراسة.
من قاعة التشريح إلى قاعة الشعر
سعود المشهور2 دقائق للقراءةحجم الخط
