أمريكا تضيق الخناق على إيران بحزم من العقوبات الشديدة وغير المسبوقة - ربما إذا استثنينا عقوبات العراق في فترة التسعينيات من القرن الماضي -، فهذه العقوبات المعلنة تعتبر هي الأشد والأعنف، والتي يبدو أنها ستكون مصحوبة بضربات عسكرية قادمة ستجعل الحرس الثوري في إيران يعاني أكثر من تداعيات الحرب والحصار.

الداخل الإيراني منقسم على نفسه، فالسياسيون لهم رأي ورؤية، والثوريون ممثلون في حرسهم الثوري ليس لديهم القدرة على التعاطي مع المشهد من جميع جوانبه؛ الاقتصادية والداخلية قبل العسكرية؛ التي تمضي قدما باتجاه قبضة أمريكية قوية خلخلت إيران من الداخل وأسقطت وهم الحرس الثوري بالثبات والندية أمام الشيطان الأكبر في هذه المعركة.

اتفاق مكة أعاد تشكيل خارطة التحالفات في المنطقة، والمحور الجديد ينتظر أعضاء جددا. مؤشرات المرحلة ومتطلباتها تقول إن بعض هؤلاء الجدد ينتظر الفرصة للقفز من حساباتهم السابقة واللحاق بركب المحور الجديد الذي باركته أمريكا، هذه الخطوة الأمريكية فاجأت البعض، والبعض صعقتهم هذه المباركة، كون حساباتهم الاستراتيجية السابقة حسبت لصالح سلة مخروقة، وحسمت باتجاه الجري على سكة التطبيع، فيما الأحداث الأخيرة تثبت أنها (سكة اللي يروح وما يرجعش).

الإسرائيليون يعيشون حالة هستيرية بعد التطورات الأخيرة، فكانت سوريا كالعادة وقاعدة (أبو الظهور) فرصة لظهورهم الجديد، بعد توقفهم أو إيقافهم عن ضرب إيران، هذا التصعيد قابله وعد تركي ووعيد بالدفاع عن أراضيهم، في السياق نفسه صعدت الدبلوماسية التركية من وتيرة تعرية نتنياهو من خلال طلبها من الإنتربول القبض عليه بتهم الإبادة الجماعية، هذا التصعيد يؤكد أن المنطقة العربية تمر بمخاض عسير جعلها تغلي بصورة غير مسبوقة.

وبالعودة لإيران وأذرعها في المنطقة، فالأذرع تريد التناغم مع المركز، ومعرفة أبعاد هذا الصراع ومآلاته، فالحوثيون يصادمون العالم بإغلاقهم ممر باب المندب، حتى ولو كانت ذريعتهم أن هذا الإغلاق يأتي في سياق ما عرفوه بسياسة الحصار بالحصار، لكن الجبهات في الداخل تفجرت تزامنا مع هذا المبدأ، وأصبح الحوثيون يعانون من حصار الداخل قبل معادلتهم الخاطئة التي يبدو أن تكلفة حلها بالنسبة لهم كبيرة جدا، وربما تنتهي بلا حل!

في العراق ولبنان، الأمور تشي بتغير باتجاه تسليم السلاح ولو بعد حين، فإيران لم تعد قادرة على ضبط إيقاعها القديم من خلال تلك الأذرع، والنشاز في ردود أفعالها، وخاصة الأخيرة؛ مرده إلى التباين الظاهر بين ما بقي من ساسة والحرس الثوري، الذي، ومع اشتداد وقع العقوبات، سيكون الجميع في إيران أمام متغير جديد، وهو ضغوط الإنسان الإيراني الذي يريد حياة أفضل بعيدة عن الحروب وشرورها.

أما مجلس التعاون، فهو مدعو للتكامل مع هذه المتغيرات، وأولها اتفاق مكة التاريخي، الذي سيكون نواة لتغير إيجابي في المنطقة، لتكون وفق معادلة إقليمية صحية وصحيحة، بعد أن أدخل فيها متغيران، هما تركيا وباكستان، هذه المعادلة سيكون فيها الحل لكثير من توترات المنطقة، وستعيد للخليج العربي مركزه المؤثر، ومركزيته كمنطقة اقتصادية، تأثيرها يؤثر على العالم أجمع.

أما قطار التطبيع، فقد ضربت إسرائيل سكته، وهذا ما جعل رحلته تقتصر على الذهاب، فيما العودة ما زالت تنتظر حجزا مؤكدا على قطار سكة التائهين العالق منذ حين، علما بأن مسافة هذه السكة قد تطول، وبطولها ستطول وعثاء السفر، وستشتد كآبة المنظر ونعوذ بالله من سوء المنقلب.

alaseery2@