رحلة عكس عقارب العمر
هبة مبارك الدوسري4 دقائق للقراءةحجم الخط
بعد عودتي من رحلتي الأخيرة، كانت تتواتر في ذهني عدة أسئلة بإلحاح: لماذا نعود من بعض الرحلات أخف صدرا، أوضح ذهنا، وأكثر قدرة على النوم والحركة؟ هل في السفر أثر صحي حقيقي، أم أننا فقط نهرب من خلاله بعيدا عن روتين يرهقنا؟
في دراسة نشرت عام 2024 في مجلة Journal of Travel Research قام فريق من جامعة إديث كوان بالاستعانة بمفهوم من الفيزياء اسمه الإنتروبيا، وأسقطوه على الجسد البشري. الإنتروبيا ببساطة هو ميل كل نظام في الكون إلى التفكك وتبعثر الطاقة بمرور الزمن. المكتب المرتب لا يبقى كذلك من تلقاء نفسه، وكذلك الجسد يسير في الاتجاه نفسه ببطء: فهو يحتاج إلى طاقة وتنظيم مستمرين كي يحافظ على اتزانه، ومع التقدم في العمر تتراكم صور من الاضطراب الخلوي والوظيفي.. وهذا ما يدعى بالشيخوخة.
ما اقترحه الباحثون أن تجربة السفر الإيجابية قد تعاكس هذا الميل قليلا. حين نغادر المألوف إلى بيئة جديدة، ونتحرك أكثر، ونلتقي بأشخاص جدد أو نرافق من نحب خلال رحلة ما، ونمنح أنفسنا قسطا من الراحة والاسترخاء. فيدفع الجسد نحو حالة أكثر تنظيما واتزانا. وتنشط عمليات الأيض، ويستجيب الجهاز المناعي بشكل إيجابي، ويجد الجسد فرصة لإصلاح ما أنهكه الروتين. تسمي الباحثة الرئيسة فانغلي ذلك «العلاج بالسفر» لا بوصفه رفاهية بل تدخلا محتملا نحو جودة صحة الإنسان. الدراسة نفسها لم تعد بالمعجزات. فالشيخوخة كما قالت الباحثة لا تتوقف، وغاية ما في الأمر أنها قد تبطئ من وتيرة تقدمها. والأهم أن السفر ليس صحيا بالمجمل، فالرحلة المرهقة أو المصحوبة بالقلق أو العدوى والحوادث تدفع الجسد إلى الفوضى ذاتها التي نهرب منها. ليست العبرة إذًا في مجرد المغادرة والسفر، بل في نوع التجربة التي نعيشها.
افتراض أن السفر نفسه يبطئ الشيخوخة ما يزال نظريا، لا نتيجة تجارب سريرية. لكن الأدلة التي استعرضتها مراجعة منهجية نشرت عام 2025 في مجلة Journal of Applied Psychology اعتمادا على نتائج 32 دراسة، وجدت أن الإجازات والانفصال النفسي عن العمل وزيادة ممارسة النشاط البدني من أكثر الخبرات ارتباطا بالفائدة. ما يعزز هذه النتائج أيضا دراسة القلب الشهيرة في فرامنغهام، وهي من أطول الدراسات التي تابعت صحة القلب عبر عقود. حيث خلصت الدراسة إلى أن من يهملون الإجازات أكثر عرضة لأمراض القلب من غيرهم. والتفسير المطروح أن الانقطاع عن الضغط المتواصل يخفف الالتهاب المزمن الذي يمهد لكثير من الأمراض. فالجسد ببساطة يحتاج أن يعطى مساحة حرة كل حين ليتنفس ويتجدد.
في السفر يقوم أغلبنا بالعديد من الممارسات الصحية: فنتحرك أكثر من غير أن نسمي الحركة رياضة: نمشي إلى محطة ما، نصعد درجا، نتتبع شارعا قديما، ونطيل الوقوف أمام منظر لم نعتده. كما تستعيد التفاصيل شغفها: حضارة وثقافة لم نألفها، وطعام نجربه للمرة الأولى، وطرق ووجهات مختلفة نسبر أغوارها. هذا القدر اللطيف من الحداثة يوقظ الانتباه ويخرجنا من التخدير الذي يصنعه التكرار. وحين تقودنا الرحلة إلى بحار أو جبال وغابات، تتضافر الحركة مع الطبيعة. فنمارس أنشطة مثل المشي والرياضة والاسترخاء في أجواء معتدلة مما يؤدي إلى تحسن المزاج وانخفاض القلق.
لكن السفر قد يكون أيضا تجربة مزعجة، وذلك حين نخطط لجدول مزدحم لرؤية كل شيء، مصحوبا بنوم مضطرب أو جلوس في حافلات أو طائرات لفترات طويلة للتنقل، أو إنفاق يثير القلق على الميزانية، أو تنبيهات متكررة من العمل، وصور نلتقطها أكثر مما نعيشها في اللحظة ذاتها.. كل هذه الأمور قد تحول الإجازة إلى مشروع آخر مرهق.
ولعل وصفة السفر الصحي أبسط مما نتصور: نشاط رئيسي واحد في اليوم مع مساحة للتجول العفوي، انفصال حقيقي عن العمل مع إغلاق التنبيهات كافة، مشي واسترخاء وسط أجواء الطبيعة بقدر الاستطاعة، استكشاف لأنشطة وأماكن جديدة، ويوم أو اثنان راحة بعد العودة قبل استئناف الإيقاع المعتاد. وليس مطلوبا أن تكون الوجهة بعيدة أو باهظة؛ فالرحلة القريبة قد تؤدي الغرض نفسه إذا نتج عنها تغيير في ممارساتنا اليومية المعتادة.
ربما لا يعالجنا السفر لأنه يأخذنا بعيدا، بل لأنه يعيدنا إلى ما هو قريب وأهملناه: أن نتحرك ونمشي أكثر، أن نغلق تنبيهات العمل خارج أوقاته الرسمية، ونمنح فترات من الراحة لأجسادنا وعقولنا. ليكون أجمل ما نحمله معنا من الرحلة ليس تذكارات وهدايا أو ذكريات جميلة، بل عادات صغيرة تقاوم الفوضى بعد العودة. عندها لا تنتهي الرحلة عند الرجوع، بل تبدأ فائدتها في أسلوب الحياة الذي نبنيه بعدها.
HibahAldosari@
