هل كانت الكتابة يوما بهذا القدر من السهولة؟
سؤال قد يبدو ساذجا في زمن يستطيع فيه المرء أن يضع فكرة عابرة في صندوق صغير على الشاشة، ثم يطلب منها أن تصبح مقالا، وأن يكون المقال عميقا، ولكن ليس معقدا، أدبيا ولكن ليس متكلفا، ساخرا ولكن بقدر، وربما «إنسانيا» أيضا إذا اقتضت المناسبة. وبعد لحظات يخرج النص مهذبا، له مقدمة وخاتمة، وبينهما من الحكمة ما يكفي لإقناعنا بأن صاحبه قضى ليلته يتأمل الوجود.

ياللسهولة التي أصبح بها الإنسان كاتبا!
أو لعل السؤال الصحيح: هل أصبح كاتبا فعلا؟
ذلك، في ظني، هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده. فالذكاء الاصطناعي لم يدخل إلى عالم الكتابة بوصفه آلة أسرع لتصحيح الأخطاء فحسب، بل جاء ليزعزع شيئا أقدم: تعريفنا للكاتب نفسه.

كان من السهل، إلى وقت قريب، أن نربط الكاتب بالنص الذي ينتجه. من يملك القدرة على تحويل أفكاره إلى لغة، وبناء الحجة، والعثور على العبارة، ومقاومة الصفحة البيضاء، ثم الخروج منها بنص يستحق القراءة، استحق أن نسميه كاتبا.

أما اليوم، فقد أصبحت الآلة قادرة على القيام بجزء معتبر من ذلك كله.
فهل انتهى الكاتب؟
ربما العكس تماما.
ربما انتهى فقط تعريف قديم له.

جورج أورويل، في مقالته الشهيرة «لماذا أكتب؟»، لم يتحدث عن الكتابة باعتبارها نقلا للمعلومات وحدها؛ فقد وضع بين دوافعها ما سماه الحماس الجمالي، أي المتعة التي يجدها الكاتب في الكلمات وإيقاعها وترتيبها. والكاتب يعرف هذه المتعة جيدا؛ تلك اللحظة التي تأتي فيها الكلمة بعد عناد، أو تستقيم فيها جملة ظلت نصف ساعة ترفض أن تستقيم.

لكن علينا أن نعترف أيضا بأننا ربما أضفينا على مشقة الكتابة شيئا من القداسة.
ليس كل ما كان صعبا يستحق أن يبقى صعبا.
لقد كتب الإنسان بالقلم، ثم بالآلة الكاتبة، ثم بالحاسوب. بحث في المعاجم الورقية، ثم بحث الكترونيا. استعان بالمحرر والمدقق والمترجم، ولم نسحب منه في كل مرة صفة الكاتب.

فلماذا تصبح الاستعانة بالذكاء الاصطناعي خيانة للكتابة بالضرورة؟
المشقة ليست فضيلة أدبية في ذاتها.
لا يصبح النص أفضل لأن صاحبه قضى فيه سبع ساعات بدل ساعتين، كما لا تصبح الرواية أكثر أصالة لأنها كتبت بقلم حبر تحت مصباح خافت.
بل لعل الذكاء الاصطناعي يحرر الكاتب من بعض الأعمال التي لم تكن جوهر الكتابة أصلا: البحث عن مرادف، ومراجعة خطأ، واختصار فقرة، وترتيب معلومات، وربما اختبار اعتراض على فكرة. وإذا وفرت الآلة هذه الساعات، فقد تمنح الكاتب وقتا أطول لما هو أهم.
لكن ما هو الأهم؟
هنا تبدأ المسألة.

محمد شكري لم يصبح محمد شكري لأنه كان قادرا على تركيب جملة سليمة. كانت وراء «الخبز الحافي» حياة خشنة لا يمكن فصل النص عنها. والطيب صالح لم يمنح «موسم الهجرة إلى الشمال» مكانته لأنه أتقن قواعد اللغة، بل لأن وراء اللغة عالما من القرية والنيل والهوية والاغتراب والصدام بين الشرق والغرب.

وفي تجربة أدونيس الشعرية والفكرية، سواء اتفق القارئ معها أم اختلف، ثمة مشروع طويل من القراءة والتجريب والجدل مع التراث والحداثة.

وكافكا لم يكن كافكا لأنه عرف كيف يكتب عن القلق؛ كان يرى العالم بطريقة جعلت اسمه نفسه يتحول لاحقا إلى وصف لحالة كاملة من العبث والاغتراب.
ما يجمع هؤلاء ليس أنهم كتبوا دون أدوات.
بل أنهم امتلكوا رؤية.

وهنا ربما أخطأنا طويلا عندما جعلنا القدرة على إنتاج النص هي الدليل الأول على وجود الكاتب.
فالآلة تستطيع الآن أن تكتب عن الغربة دون أن تغترب، وعن الموت دون أن تخشاه، وعن الحب دون أن تنتظر أحدا، وعن الفقر دون أن تعرف كيف يبدو آخر الشهر.
بل يمكنك أن تطلب منها أن تجعل النص أكثر حزنا.
فتزيد الحزن ثلاثين في المئة!

وتطلب منها شيئا من العبث الوجودي، فتأتيك به قبل أن ينتهي فنجان القهوة.
لكن هذا لا يعني أن ما أنتجته بلا قيمة. فقد يكون النص جيدا، وربما أفضل من نصوص كثيرة كتبها بشر بأنفسهم. وهنا تحديدا يصبح الحكم أكثر تعقيدا.
لأن السؤال لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تكتب جيدا؟
لقد تجاوزنا هذا السؤال.
السؤال الآن: أين يوجد الكاتب في هذا النص؟

ولعل الصحافة من أكثر الأماكن التي يمكن أن نشاهد فيها هذا التحول.
كان القارئ ينتظر بعض الكتاب لا ليعرف منهم الخبر؛ فالخبر يستطيع أن يجده في مكان آخر. كان ينتظرهم ليعرف كيف رأوه.
كان هناك من نقرأ له لأننا نتفق معه، ومن نقرأ له لأننا نختلف معه، ومن نقرأ له لأنه سيجعلنا نبتسم ونحن نعرف أنه يبالغ. وبعض الكتاب كانوا يملكون تلك القدرة الغريبة على أخذ حادثة صغيرة لا تستحق أكثر من سطر في الأخبار وتحويلها إلى نافذة على المجتمع كله.
كانت المقالة تحمل صاحبها معها.

واليوم لا تزال الكتابة موجودة، بل ربما لم تكن في تاريخ الإنسان أكثر وفرة مما هي عليه الآن. الصحف والمواقع و«إكس» و«فيسبوك» والمدونات والرسائل والمنصات، ثم جاءت مولدات النصوص لتفتح الصنبور إلى آخره.
لدينا من الكلمات ما يكفي.
ومع ذلك قد يشعر القارئ بشيء من الافتقاد.
ليس افتقاد النص.
بل افتقاد الصوت.

فالوفرة في النصوص لا تعني بالضرورة وفرة في الأصوات.
وذلك فارق ربما سيصبح أكثر أهمية كلما تطورت الآلة.
لكن الذكاء الاصطناعي لم يغير الكاتب وحده.
لقد بدأ يغير القارئ أيضا.
كان القارئ يدخل إلى المقال ليسأل: ماذا يريد الكاتب أن يقول؟ هل حجته مقنعة؟ هل بالغ؟ هل أعجبتني هذه العبارة؟
أما اليوم فقد يظهر سؤال آخر قبل ذلك كله:
هل كتب هذا أصلا؟
إذا كان النص محكما، شككنا.
إذا ظهر سريعا، شككنا.
إذا كان صاحبه كثير الإنتاج، ازداد الشك.
وإذا كانت لغته مرتبة أكثر من اللازم، أصبح المسكين في ورطة!

كأن جودة العبارة، التي كانت يوما مما يشهد للكاتب، أصبحت أحيانا واحدة من القرائن ضده.
وهكذا انتقل شيء من علاقتنا بالنص من التذوق إلى التحقيق.
ولعلنا نصل يوما إلى كاتب يترك خطأ نحويا صغيرا في مقالته عمدا ليطمئن القارئ إلى أن خلف الشاشة إنسانا حقيقيا.
وعندها سيكون على النقاد أن يضيفوا إلى مدارس النقد الأدبي مدرسة جديدة: النقد الجنائي للنصوص.
لكن خلف الطرافة مشكلة حقيقية.

حين يصبح كل نص موضع اشتباه، فإننا لا نخسر الثقة بالآلة فقط؛ قد نخسر شيئا من الثقة بالإنسان أيضا.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن نجعل دفاعنا عن الإنسان دفاعا عن الكاتب كما كان.
ليس المطلوب أن نحافظ على الكاتب في متحف، بجوار الآلة الكاتبة والمحبرة وريشة الإوز.
فالكاتب سيتغير.
وربما ينبغي أن يتغير.

لقد غيرت التكنولوجيا التصوير والموسيقى والصحافة والسينما والتعليم والبحث العلمي، وفي كل مرة اختفت بعض المهارات أو تراجعت قيمتها، وظهرت مهارات أخرى أكثر أهمية.
لماذا تكون الكتابة استثناء؟
كاتب المستقبل قد يستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث، وفي اختبار أفكاره، وفي اقتراح اعتراضات عليها، وفي مراجعة اللغة، وربما في تقديم احتمالات لم يكن ليراها وحده.
ولا أرى في ذلك انتقاصا منه بالضرورة.
بل قد يكون الكاتب الذي يحسن استخدام هذه الأدوات أقدر على التفكير والإنتاج من الكاتب الذي يرفضها من حيث المبدأ.
لكن هناك فرقا ينبغي ألا يضيع وسط هذا الحماس.
فرق بين أتمتة بعض الكتابة وأتمتة الكاتب.

فإذا أعطيت الآلة فكرتك، وناقشتها، ورفضت بعض اقتراحاتها، واستفدت من بعضها، ثم أعدت بناء النص وفق رؤيتك، فلا يزال هناك إنسان يقود العملية.
أما إذا اختارت الآلة السؤال والموقف والحجة والأمثلة والصياغة والخاتمة، ثم جاء الإنسان في النهاية ليضع اسمه وصورته، فالسؤال هنا ليس أخلاقيا فقط.
إنه سؤال لغوي بسيط:
لماذا نسميه الكاتب؟
ولذلك ربما نحتاج فعلا إلى تعريف جديد.
الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون بالضرورة الشخص الذي صنع كل كلمة بيديه.
سيكون، في تقديري، الشخص الذي يمتلك الرؤية والاختيار والحكم والمسؤولية عن النص.

هو الذي يعرف لماذا يكتب.
وما الذي يستحق أن يقال.
وما الذي ينبغي حذفه رغم جماله.
وأي اقتراح من الآلة يقبله، وأيهما يرفض.
وأين يقف موقفه هو، لا الموقف الأكثر أناقة الذي تقترحه الخوارزمية.
فالكاتب ليس مجرد منتج للكلمات.
إنه صاحب قرار بينها.

وهنا قد يكون الذكاء الاصطناعي قد قدم للكتابة خدمة لم يقصدها: أجبرنا على البحث عن قيمة الكاتب خارج قدرته الميكانيكية على إنتاج النص.
ربما كانت القيمة طوال الوقت في مكان آخر.
في الذائقة.
وفي السؤال.
وفي الموقف.
وفي القدرة على معرفة أن هذه الجملة، على جمالها، لا تشبهني.
وهذا يعيدنا إلى مسألة المتعة التي كانت دائما جزءا من الكتابة.
فحتى لو استطاعت الآلة أن تختصر الطريق، ليس علينا دائما أن نختصره.
هناك طرق نسلكها للوصول، وهناك طرق يكون السير فيها جزءا من الغاية.
قد يستخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي في بحث يستنزف ساعات، ثم يقرر أن يكتب الفقرة بنفسه لأنه يحب ذلك. وقد يرفض اقتراحا أكثر بلاغة لأن عبارته الأقل كمالا تشبه صوته أكثر.

ليس ذلك رجعية.
فالإنسان لا يركض دائما وراء الكفاءة.
لو كان يفعل، لما رسم أحد لوحة بعد اختراع الكاميرا، ولما عزف أحد على آلة موسيقية بعد أن أصبح بالإمكان تشغيل الموسيقى بضغطة زر، ولما خبز أحد خبزه في المنزل وهناك مخبز عند أول الشارع.
نفعل أشياء كثيرة لأن فعلها نفسه جزء من معناها.
والكتابة واحدة منها.
لذلك لا أعتقد أن المعركة القادمة ستكون بين الكاتب والذكاء الاصطناعي.
الأرجح أنها ستكون داخل مفهوم الكتابة نفسه.

سيتراجع بعض ما كنا نسميه مهارة، وستولد مهارات أخرى. وسيكتب الإنسان مع الآلة، وضدها أحيانا، وبمساعدتها في أحيان أخرى. وقد تظهر أشكال من التأليف لم نملك لها أسماء بعد.
وهذا ليس بالضرورة مستقبلا سيئا.
لكن علينا ألا نخلط بين وفرة الكلام ووفرة المعنى، ولا بين القدرة على توليد النص والقدرة على امتلاك موقف منه.
لقد اعتدنا أن نسأل: من كتب هذه الكلمات؟
وربما سيصبح السؤال الأهم:
من فكر فيها؟ ومن اختارها؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟
عندها لن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي هو ما يحدد الكاتب الحقيقي من غيره.

سيحدده ما بقي منه بعد استخدامه.
ربما إذن لن يقتل الذكاء الاصطناعي الكاتب.
قد يقتل فقط تعريفا قديما للكاتب.
وإذا حدث ذلك، فلا ينبغي أن نحزن كثيرا.
فالمشكلة لم تكن يوما في أن تتغير أدوات الكتابة، وإنما في أن نفقد، وسط هذا التطور كله، الإنسان الذي كان يعرف لماذا يكتب.
فالآلة تستطيع الآن أن تساعدنا كثيرا في كيف نكتب.
أما لماذا نكتب، وماذا يستحق أن يُكتب، فربما تكون هناك بداية الكاتب الجديد.