خلال زيارتي للديرة، «محافظة تُربة»، التقيت بنزار، عامل باكستاني أمضى زهرة شبابه في السعودية.
سألته: كم سنة أنته موجود في سعودية؟
نزار: «ممكن زيادة من اشرين سنة».
أنا: «كلو اشرين سنة في تربة؟».
واستمر حوارنا «المكسر» نحو عشر دقائق، لم نحتج خلالها إلى الحديث بالعربية، ولا بلغة الأوردو!

بعد أن أوصلت صاحبنا نزار إلى وجهته، انبثق في ذهني سؤال: ما الذي يدعونا إلى التنازل عن لغتنا ولهجاتنا بهذه السهولة؟

الحقيقة أن كل متعلم للغة غير لغته كالطفل؛ يبدأ بكلمات بسيطة، ثم تتسع حصيلته شيئا فشيئا حتى يستطيع الحديث بطلاقة. لكن مشكلتنا أننا نسارع إلى النزول بلغتنا وتغيير مفرداتنا؛ حتى نلتقي بالوافد الجديد عند أول درجة من سلم تعلمه، ثم نقبع معه هناك؛ فلا هو يستطيع الصعود إلى لغتنا، ولا نحن نعود إليها، ونبقى معه ومع غيره على هذا الحال حتى يرجع إلى دياره أو يفرقنا وإياهم الموت!

والمسألة هنا ليست مجرد كلمات مكسرة أو محطة لغوية عابرة، بل خسارة تمس نسيجنا المعرفي والثقافي، وتكشف خللا في فهمنا للتواصل الحضاري؛ خسارة متبادلة نحن من صنعناها وما زلنا نصنعها. فاللغة ليست أداة للتفاهم فحسب، وإنما وعاء للثقافة والمعرفة والتجربة الاجتماعية. وحين يعيش الوافد بيننا عشرين أو ثلاثين عاما بلغة محدودة لا تتجاوز مفردات العمل والسوق والحاجات اليومية، فإنه يعود إلى بلاده بمعرفة مبتورة عن مجتمع عاش فيه عقودا؛ لم يعرف لغته كما ينبغي، ولم يقترب بما يكفي من ثقافته وأدبه وأمثاله وحكاياته وطريقة أهله في التفكير والتعبير.

وتزداد الخسارة فداحة حين نتذكر أننا نتحدث عن العربية، لغة القرآن الكريم، التي يتطلع ملايين المسلمين في أنحاء العالم إلى تعلمها وفهمها، ثم يأتي بعضهم إلى بلادنا ويقيم بين أهلها سنوات طويلة، وربما عقودا، من دون أن نتيح له عمليا فرصة اكتسابها كما ينبغي. وفي الوقت الذي تجتهد فيه دول كثيرة لنشر لغاتها خارج حدودها، وتنشئ المعاهد والمراكز، وتبتكر التطبيقات والمنصات، وتيسر سبل تعلمها؛ باعتبار اللغة جسرا للثقافة وأداة من أدوات الحضور والتأثير، نجد أننا أحيانا نفعل العكس داخل أوطاننا: نكسر لغتنا بأيدينا كي لا يضطر القادم إلينا إلى تعلمها!

ونحن أيضا نخسر في الاتجاه الآخر؛ فهذه اللغة الوسيطة الفقيرة لا تسمح لنا بالتعرف الحقيقي إلى الإنسان الذي يعيش بيننا. قد نعرف اسمه وعمله وبلده، لكننا لا نعرف كثيرا عن ثقافته وتجاربه وحكاياته، لأنه لا يستطيع التعبير عنها بلغتنا، ونحن غالبا لا نتحدث لغته. وهكذا يعيش الطرفان جنبا إلى جنب سنوات طويلة، بينما تظل بينهما مسافة ثقافية ولغوية لم نبذل ما يكفي لتقليصها.

إلى هنا، أقدم اعتذاري لنزار، ولكل وافد غير عربي حدثته يوما بلغة لا تشبهنا، ولا تشبه طموحه في أن يعرفنا ويعرف لغتنا وثقافتنا كما ينبغي. وأعتذر لأننا، بحسن نية ربما، يسرنا له البداية، لكننا حرمناه فرصة التقدم؛ إذ أبقيناه عند أول درجة من سلم اللغة بدل أن نساعده على الصعود.

كان يمكن لنزار، بعد أكثر من عشرين سنة، أن يتحدث بلهجة أهل تربة، وأن يحمل معه يوما إلى بلاده شيئا من لغتنا وحكاياتنا وثقافتنا. لكنني، بعد كل تلك السنوات التي أمضاها بيننا، ما زلت أقف معه عند الدرجة الأولى وأسأله:
«كلو اشرين سنة في تربة؟».