تظاهرة اقتصادية وثقافية استثنائية تجتاح منطقة القصيم هذه الأيام؛ حيث تتحول المنطقة برمتها إلى منصة تداول عالمية للتمور. فمنذ منتصف هذا الشهر، انطلق كرنفال بريدة الدولي للتمور مستندا إلى تراث المملكة العريق، وتزامن معه «موسم نقوة عنيزة» ليضيف بعدا نوعيا في الإنتاج والابتكار، امتدادا إلى الحراك النشط في البكيرية والمذنب، وصولا إلى مهرجان «شقراء الأسياح» الذي خطف الأنظار بجودة أصنافه وقوة حضوره التنافسي.

أظهرت الإحصائيات الرسمية الصادرة خلال الأيام الماضية حجم تداول مذهل يؤكد القيمة السوقية لهذا القطاع؛ إذ اقتربت المبيعات في بريدة وحدها من حاجز 100 مليون ريال (تسجيل 98 مليون ريال) خلال نصف شهر فقط، وتجاوزت الكميات المباعة 8.2 ملايين كيلوجرام، عبر دخول أكثر من 12 ألف شاحنة مختلفة الأحجام محملة بالتمور. والمثير للإعجاب أن هذا التنافس الإيجابي بين المدن والمحافظات لم يضعف المبيعات في مركز واحد، بل جعل من القصيم بكاملها سلة تنافسية إيجابية واحدة ومهرجانات متكاملة توفر خيارات متنوعة بأسعار متوازنة.

ولأن الأفكار المبتكرة هي المقوم الأساسي لديمومة هذا النجاح، فإن تطوير هذه المهرجانات يتطلب الانتقال إلى أفكار أكثر إبداعية، مثل مرحلة «المنصات الرقمية المباشرة» عبر إطلاق منصات مزايدات الكترونية تتيح للمشترين حول العالم الشراء والتوصيل الفوري. يرافق ذلك التحول نحو التغليف المبتكر والتصنيع الغذائي وتحويل التمور إلى منتجات جديدة، تلائم أذواق الشعوب والأسواق؛ التي لا تنتمي إلى ثقافة تناول التمور بصورتها التقليدية. كما تشكل الاستفادة من مخلفات جني التمور ومخلفات النخيل؛ فرصة استثمارية سانحة في صناعات التدوير والاستدامة البيئية، فضلا عن توسيع نطاق مبيعات الهدايا والتذكارات المرتبطة بالهوية السعودية، واستثمار التغطيات الإعلامية والتصوير الفوتوغرافي وغيرها من الأنشطة الاحترافية لإبراز هذا الحدث كعلامة فارقة لا شبيه لها عالميا.

إن أمامنا فرصة سانحة ومساحة من الوقت للاستعداد والتخطيط للنسخ القادمة وصولا إلى عام 2030، والذي يسبق استضافة المملكة للحدث العالمي الكبير في أكتوبر 2030 «إكسبو 2030» في العاصمة الرياض. هذا التزامن يمنح تمور القصيم وهجا غير عادي، وفرصة ذهبية لاستقطاب ملايين الزوار والوفود الدولية. إن خلق توليفة سياحية ولوجستية مبتكرة بين الرياض والقصيم؛ قد يسمح بتمديد فترة المهرجان وزيادة فعالياته المصاحبة، ليتحول موسم الجداد من مجرد حراك زراعي محلي إلى مقصد سياحي واقتصادي عالمي يترجم تطلعات رؤية السعودية 2030.

أخيرا يمكن القول بأن القصيم لا تبيع التمور فقط بل تبيع أيضا ثقافة التمور وإنتاجها، وتحويل حدث محلي إلى حدث عالمي؛ يمكن استثماره أكثر بأفكار غير محدودة إذ ما زالت هناك عقول تفكر وتنتج وتطور وتستغل التقنية والإمكانيات الجديدة لبث أحداث هذه التظاهرة للعالم!

Halemalbaarrak@