الإنسان أولا.. حين تبدأ تنمية المدن من أبنائها
حنان درويش عابد2 دقائق للقراءةحجم الخط
حين نتحدث عن السوق، فإننا لا نتحدث عن حركة المال والمشروعات وحدها؛ فالإنسان هو صانع السوق ومحرك التنمية. وقد أثبتت التجارب الناجحة، شرقا وغربا، أن الموارد والبنية التحتية لا تحققان التقدم ما لم تتوافر كفاءات بشرية قادرة على إدارتهما وتحويلهما إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
ويبرز هذا التحدي في المدن ذات الأسواق المحدودة. غير أن ضعف السوق لا يعني غياب الفرص، بل قد يكون نتيجة عدم اكتشاف الموارد المحلية أو ضعف استثمارها، إلى جانب الفجوة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات التنمية وسوق العمل.
ولأن المدن ليست نسخا متشابهة، ينبغي أن تنطلق خططها التنموية من خصائصها ومزاياها النسبية؛ فما يناسب مدينة صناعية قد لا يلائم مدينة زراعية أو سياحية. ومن هنا تبدأ التنمية بفهم هوية المكان، ثم إعداد الكوادر المحلية القادرة على استثمار إمكاناته.
ولا يتحقق ذلك بدورات تدريبية متفرقة، بل من خلال مشروع متكامل يربط التعليم والتأهيل المهني بالفرص الفعلية، ويقيس نجاحه بقدرته على إيجاد الوظائف، وتأسيس المشروعات، ورفع الإنتاجية وتحسين جودة الحياة.
وتمكين أبناء المدن من المشاركة في تنميتها لا يقلل من مسؤولية الدولة، بل يوسع دائرة الشراكة. فالدعم الحكومي يصبح أكثر أثرا حين يلتقي بالمبادرات المحلية، وتغدو الخطط أكثر واقعية عندما يشارك في تنفيذها من يعرفون المكان ويدركون احتياجاته.
كما أن المدينة القادرة على استثمار مواردها لا تنفصل عن المركز، وإنما تتحول إلى شريك تنموي يخفف الأعباء عنه، ويسهم في توزيع فرص النمو بصورة أكثر توازنا. وحين يرى المواطن أثر جهده في مدينته، تتعزز لديه المسؤولية، ويتحول انتماؤه إلى مشاركة فاعلة في بناء الوطن.
ويظل القطاع الخاص شريكا أساسيا في هذا المسار؛ فالاستثمار في الإنسان يوسع قاعدة الكفاءات، ويرفع جودة الإنتاج والخدمات، ويفتح أسواقا وفرصا استثمارية جديدة في مختلف المدن.
وقد جعلت رؤية السعودية 2030 تنمية القدرات البشرية وتمكين الأجيال الجديدة من ركائز التحول الوطني. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب مواطنا مبادرا، وقطاعا خاصا فاعلا، ومؤسسات تعليمية تستجيب للتحولات، وإدارات محلية تمتلك الكفاءة والمرونة.
إن الرهان الحقيقي ليس على ما تمتلكه المدن من موارد فحسب، بل على قدرتها على تحويلها إلى فرص. وهذه القدرة تبدأ من الإنسان؛ فالمدينة لا تنهض بالمباني وحدها، والسوق لا يصنعه رأس المال وحده، والتنمية لا تستدام إلا بالمعرفة والمسؤولية والإرادة.
hananabid10@
