الـ"برشامة"وجمعها براشيم هي تلك الوريقة الصغيرة الدقيقة التي لا تتجاوز أبعادها خمسة سنتيمترات في مثلها، تخط عليها بخط مجهري خفي إجابات الأسئلة، كنا نعرفها في مراحل التعليم المبكرة بوصفها أداة اللجوء الأخير للطالب العاجز، تهرب في غفلة من "معلم المادة" أو ربما بعلمه وتسريبه في بعض الروايات!

لتعطي انطباعا كاذبا عن تفوق لا وجود له وعن استيعاب لم تطأه قدم الفهم يوما، غير أن هذا السلوك الابتدائي البسيط لم يعد حبيس المقاعد الدراسية بل جرى تدويره وتطويره وترقيته بأساليب مهندسة ليعود إلينا في هيئة ظاهرة أكثر خفاء وأشد خطرا وأعمق أثرا في الوعي الجمعي من ظاهرة "الفشنستات" و"الفشنستاتيين".

فإذا كانت ظاهرة "سطحية المشاهير" قد أحدثت نتوءا ظاهرا وخللا بينا في الذائقة العامة عبر تسخيف المفاهيم وتتفيه المجتمع فإن الخطر الأكبر لا يأتي دائما ممن يرتدون جلباب السطحية المفتعلة بل ممن يتسربلون بسربال "الرصانة المصنوعة".

الرصانة الهندسية:عندما تصبح "العفوية" منتجا تسويقيا
تسللت إلى مشهدنا الثقافي والإعلامي مؤخرا ظاهرة يمكن تسميتها بـ"البودكاست التأميني التسويقي"، ظاهرة يتنادى لها جمع من "الجادين الجدد" حيث يستنفر الضيف ومقدم البرنامج والمخرج والمؤلف والمصور بل وحتى خوارزميات الذكاء الاصطناعي لخياطة نص محكم وسيناريو مسبق الصنع.

تدرس الأسئلة لأيام وتصاغ الإجابات بميزان الذهب، وتراجع اللمسات الإخراجية بدقة متناهية ثم تبدأ التمثيلية الكبرى: إضاءة خافتة وإيحاءات بالعمق، وقفات صمت مفتعلة توهم التفكير والارتجال، استحضار سليم للأرقام والمصطلحات المعقدة دون كبوة أو تردد. كل هذا الإخراج المتقن يبذل له الجهد والوقت لغرض واحد فقط: إيهام المشاهد بأن هذا الفكر المتدفق والإجابات المسبوكة إنما هي وليدة اللحظة وتجل عفوي لذهن الضيف الوقاد.

إننا أمام عملية "تأمين شامل" على سمعة الضيف وصورته الذهنية فلا مجال للخطأ ولا مكان للسقوط. والأهم: لا إمكانية للكشف عن الحجم الحقيقي لعقله!!
لقد تحولت المادة المعرفية من "حوار متجدد" إلى "إعلان ممتد"، وتداعت الحدود بين الوعي الحقيقي وبين الممارسة التسويقية المغلفة بثياب الثقافة.

الشك المنهجي: الحوار المغلق تحت مجهر النقد
إن البودكاست الذي يسجل خلف الأبواب المغلقة بعيدا عن حرارة المباشرة ويخضع لمشرط المونتاج والتجهيز المسبق ليس سوى نسخة ناعمة ومحدثة من نظام "البرشامة". وعليه فإن واجب العقل الناقد يتطلب وضع هذه اللقاءات برمتها في دائرة الشك المنهجي.

إن أي حوار لا يواجه فيه المتحدث جمهورا حيا في نقاش مفتوح ومباشر يبقى مجرد عرض مسرحي مسيطر عليه ولا يمكن اتخاذه معيارا لوزن الضيف وقدرته الفكرية الحقيقية، فالمعدات المتطورة والذكاء الاصطناعي وكواليس الإعداد الطويلة قادرة على صناعة "مفكر من ورق"، وتصدير "خبير في كل شيء" طالما أن الأسئلة مأمونة والإجابات مسربة ومحفوظة عن ظهر قلب.

أما المعيار الحقيقي الأصيل الذي تختبر به العقول فهو الارتجال الصادق والقدرة على المحاجة المباشرة والمرونة في تفكيك الأسئلة غير المتوقعة أمام الملأ.

في مواجهة زيف "البراشيم المعرفية"
لقد أرهقتنا السطحية الواضحة، لكن الرصانة المزيفة أشد إرهاقا وأكثر تدليسا، لأن الأولى تدعوك للسخرية منها بينما تحاول الثانية استغفالك والسيطرة على مقاليد توجيهك.

إن استعادة عافية المشهد الثقافي والإعلامي تتطلب منا رفع سقف الشروط وعدم الانبهار بالصورة المصنوعة والعبارات المسبوكة داخل الغرف المغلقة، فالجاهزية الحقيقية لا تصنع في جلسات الإعداد التسويقية، والمفكر الحقيقي لا يحتاج إلى "برشامة" يسترق منها الفكرة ولا سيناريو يملي عليه كيف يبدو عميقا أمام العدسات.