لا يكاد الإنسان يتوقف عن البحث منذ لحظة ميلاده حتى آخر يوم في حياته، فالطفل يبحث عن الأمان بين ذراعي أمه، والتلميذ يبحث عن الإجابة، والشاب يبحث عن مستقبله، والموظف يبحث عن التقدير، والشيخ يبحث عن الطمأنينة، وتتبدل موضوعات البحث بتبدل المراحل، حتى يبدو أن الحياة كلها ليست سوى رحلة طويلة من الانتقال بين غاية وأخرى؛ غير أن سؤالا أكثر عمقا يظل حاضرا في الظل، لا يطرحه الإنسان إلا نادرا: عن ماذا نبحث حقا؟ فليس كل ما نسعى إليه هو ما نريده فعلا، وليس كل ما نبلغه هو ما كنا نفتقده.

وتبدأ الرحلة الأولى بالبحث عن الذات، وهي أكثر الرحلات تعقيدا؛ لأن الإنسان يولد داخل منظومة من الأسماء والأفكار والقيم والتوقعات التي تسبقه إلى الحياة، فيتعلم كيف يكون ابنا أو طالبا أو موظفا أو أبا، لكنه قد يمضي سنوات طويلة قبل أن يكتشف من يكون هو خارج هذه الأدوار جميعا، ولهذا لم يكن التعرف إلى الذات سؤالا نفسيا فحسب، وإنما كان سؤالا فلسفيا لازم الحضارات القديمة والحديثة، لأن معرفة الإنسان لنفسه هي الأساس الذي تبنى عليه اختياراته كلها، ومن يجهل ذاته يسهل أن يعيش حياة صاغها الآخرون نيابة عنه.

وحين يقترب الإنسان من ذاته، يكتشف أن وجوده لا يكتمل إلا بالآخر، فيبدأ البحث عن شريك للحياة، أو صديق، أو معلم، أو مجتمع يمنحه شعور الانتماء، فالآخر ليس مجرد شخص يرافقنا، وإنما مرآة نرى فيها أجزاء من أنفسنا لم نكن لندركها في العزلة، وفي الحوار تتشكل الأفكار، وفي الاختلاف تنضج القناعات، وفي المشاركة يكتسب الإنسان خبرته بالحياة؛ لذلك لم يكن البحث عن الآخر هروبا من الذات، وإنما طريق آخر لفهمها.

وبعد أن تتضح ملامح الذات والعلاقة بالآخر، تبدأ رحلة أكثر عمقا، هي البحث عن المعنى، وهنا يتغير السؤال من: ماذا أملك؟ إلى: لماذا أعيش؟ فقد يحقق الإنسان نجاحا مهنيا، أو ثراء ماليا، أو حضورا اجتماعيا، ثم يشعر أن شيئا ما لا يزال ناقصا، ذلك أن الإنجاز يمنح الإنسان الشعور بالقدرة، أما المعنى فيمنحه الشعور بالقيمة، وحين يغيب المعنى تتحول الإنجازات إلى محطات عابرة، مهما بدت براقة في أعين الناس.

ومن المعنى تنفتح رحلة البحث عن الحقيقة، وهي الرحلة التي صنعت العلم والفلسفة والحضارة، فالحقيقة لا تنال بكثرة المعلومات وحدها، وإنما بالشجاعة التي تدفع الإنسان إلى مراجعة ما يعتقده، وإعادة النظر فيما ورثه، والإصغاء إلى الرأي المخالف دون خوف أو تعصب، وكل حضارة تقدمت منحت السؤال مكانة لا تقل عن مكانة الجواب، لأن العقل الذي يتوقف عن التساؤل يتوقف عن النمو، مهما ازدادت معارفه.

وعندما يقطع الإنسان هذه الرحلات، يكتشف أنه كان يبحث، في صورة أو أخرى، عن السكينة، فهي ليست هدوءا عابرا، ولا راحة تصنعها الظروف، وإنما حالة من الانسجام بين الإنسان وذاته، وبين قناعاته وأفعاله، وبين طموحه وحدوده، وبين ما يملكه وما يستحق أن يطمح إليه، عندها يدرك أن رحلة العمر لم تكن بحثا عن المال أو الشهرة أو المنصب أو المعرفة في ذاتها، وإنما كانت محاولات متكررة للوصول إلى حياة يجد فيها قلبه موضعه الصحيح.

ولعل أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان مع نفسه أن يتوقف بين حين وآخر ليسأل: عن ماذا أبحث؟ لأن السؤال قد يغير اتجاه الرحلة كلها، فكثيرون بلغوا ما سعوا إليه، ثم اكتشفوا متأخرين أنهم أمضوا أعمارهم في مطاردة أهداف لم تكن يوما أهدافهم الحقيقية، بينما يبدأ الطريق إلى الحياة الأكثر وعيا حين يعرف الإنسان، قبل أن يسرع في السير، ما الذي يستحق أن يهب له سنوات عمره.