في عصر التحول الرقمي، لم تعد السياحة تبدأ عند الوصول إلى الوجهة، بل تبدأ من لحظة التفكير في الرحلة. البحث، والمقارنة، والحجز، والتخطيط، كلها أصبحت تتم عبر أدوات رقمية تشكل الانطباع الأول عن التجربة. ولهذا تؤكد تقارير World Economic Forum أن التحول الرقمي في السياحة لم يعد خيارا، بل عنصرا أساسيا في تنافسية الوجهات، وقدرتها على جذب الزوار وتحفيزهم على اتخاذ القرار.

من منظور السائح - وخاصة العائلة - فإن سهولة التخطيط تمثل أحد أهم عوامل اتخاذ القرار. فالعائلة تبحث عن رحلة واضحة: أين تذهب؟ ماذا تفعل؟ كم ستكلف؟ وكيف تنتقل؟ وعندما تكون هذه المعلومات متاحة بشكل منظم وسهل، يصبح اتخاذ القرار أسرع وأكثر ثقة، ويقلل من التردد في اختيار الوجهة.

في السياق المحلي، ورغم وجود العديد من المنصات والخدمات الرقمية، إلا أن تجربة التخطيط السياحي لا تزال تعاني من التشتت. فالمعلومات موزعة بين مواقع متعددة، والتجارب غير موحدة، وقد يجد السائح صعوبة في تكوين صورة متكاملة عن رحلته. هذا التشتت لا يؤثر فقط على الراحة، بل قد يؤدي إلى تقليل عدد الأنشطة التي يخطط لها الزائر، وبالتالي تقليل مدة الإقامة ومستوى الإنفاق.

العائلة، على وجه الخصوص، تحتاج إلى تجربة رقمية مبسطة ومتكاملة. فالتخطيط لرحلة عائلية يتطلب تنسيقا بين عدة عناصر: السكن، الأنشطة، النقل، والفعاليات. وعندما تكون هذه العناصر متفرقة، يصبح التخطيط مرهقا، وقد يدفع البعض إلى اختيار وجهات خارجية تقدم تجربة أكثر وضوحا وسهولة، وهو ما يمثل تحديا حقيقيا للمنافسة.

في المقابل، تقدم التجارب العالمية نماذج متقدمة في هذا المجال. في Barcelona، على سبيل المثال، توفر المنصات الرقمية معلومات متكاملة عن الوجهة، تشمل الأنشطة، والمواصلات، والفعاليات، مع إمكانية الحجز المباشر. السائح يمكنه التخطيط لرحلته بالكامل من خلال منصة واحدة، مما يوفر الوقت ويعزز الثقة ويجعل التجربة أكثر سلاسة.

هذا النموذج يوضح أن التحدي ليس في توفر التقنية، بل في تكاملها. فوجود عدة تطبيقات أو مواقع لا يعني بالضرورة تجربة أفضل، إذا لم تكن مترابطة وسهلة الاستخدام. المطلوب هو بناء تجربة رقمية موحدة تعكس رحلة السائح من البداية إلى النهاية، وتختصر عليه الجهد والوقت.

تحليل الواقع يشير إلى عدة أسباب وراء هذه الفجوة. أولها تعدد الجهات المقدمة للخدمات، دون وجود منصة موحدة تجمعها. ثانيها اختلاف مستوى جودة المعلومات، حيث قد تكون بعض البيانات غير محدثة أو غير دقيقة. وثالثها غياب تصميم يركز على «تجربة المستخدم»، بحيث تكون المنصات مصممة من منظور الجهة المقدمة، لا من منظور السائح.
لكن هذه التحديات تمثل فرصة كبيرة للتحسين.

الحل يبدأ من بناء منصة سياحية موحدة تجمع جميع عناصر الرحلة في مكان واحد. هذه المنصة يجب أن تقدم معلومات واضحة ومحدثة، وتتيح الحجز المباشر، وتوفر توصيات مخصصة حسب اهتمامات السائح واحتياجات العائلة. كما يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتقديم اقتراحات ذكية تساعد العائلة على تخطيط رحلتها بسهولة. على سبيل المثال، يمكن للمنصة أن تقترح برنامجا يوميا متكاملا يشمل الأنشطة، وأوقات التنقل، والفعاليات، بناء على مدة الرحلة وعدد الأفراد، مما يعزز جودة التجربة.

هذا التوجه يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تركز على التحول الرقمي، وتحسين تجربة المستخدم، وتعزيز الابتكار. فالسياحة الرقمية لا تسهم فقط في تسهيل التخطيط، بل في تحسين إدارة الوجهات، وجمع البيانات، وتطوير الخدمات بشكل مستمر.

كما أن تحسين التجربة الرقمية يعزز من قدرة المملكة على جذب السياح الدوليين، الذين يعتمدون بشكل كبير على المنصات الرقمية في اختيار وجهاتهم. فكلما كانت التجربة الرقمية واضحة وسهلة، زادت احتمالية اختيار الوجهة، وارتفع مستوى الثقة بها.

في المدى القريب، يمكن اتخاذ خطوات عملية، مثل توحيد المعلومات السياحية عبر منصة رسمية، وتحسين جودة المحتوى، وتوفير خرائط تفاعلية، وربط الخدمات ببعضها. هذه الإجراءات يمكن أن تحسن تجربة التخطيط بشكل سريع، وتنعكس مباشرة على رضا الزوار.

أما في المدى البعيد، فيتطلب الأمر بناء نظام رقمي متكامل يربط بين مختلف الجهات والخدمات، ويقدم تجربة سلسة للسائح، من التخطيط إلى التنفيذ، مع تحديث مستمر للمحتوى والبيانات.

في النهاية، يمكن القول إن السياحة الرقمية ليست مجرد أداة، بل بوابة التجربة السياحية. وعندما تكون هذه البوابة سهلة وواضحة، فإنها تفتح المجال أمام تجربة أكثر ثراء وتكاملا، وتزيد من تنافسية الوجهة.

لكن يبقى سؤال مهم: إذا كانت سهولة التخطيط عاملا حاسما في جذب السائح، فكيف يمكن توسيع هذا الأثر ليشمل جذب السياح من الخارج، وليس فقط تحسين تجربة الداخل؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم: «كيف نجذب السائح الدولي؟».

EngWalid67@