حين تصبح الجريمة المعلوماتية ظاهرة: مسؤولية الجهات الأمنية في صيانة المجتمع
عبدالله قاسم العنزي3 دقائق للقراءةحجم الخط
لم تعد بعض صور الجرائم المعلوماتية، كالسباب والقذف والتشهير والإساءة، مجرد وقائع فردية تقع في نطاق ضيق، بل أصبحت في بعض صورها سلوكا ظاهرا يلحظه المجتمع، ويمارس أحيانا بأسماء وصور حقيقية دون خشية من الظهور أو من الآثار المترتبة عليه. ومن هنا، فإن قراءة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود البلاغ أو عند مطالبة المتضرر بحقه الخاص، وإنما يجب أن تتسع إلى سؤال يتعلق بالحق العام: ماذا يعني أن يصبح السلوك المخالف متكررا ومعلنا وقابلا للانتشار؟
وتكمن الخطورة، في تقديري، في انتقال الجريمة من كونها فعلا فرديا إلى كونها سلوكا قابلا للتطبيع الاجتماعي؛ فكلما تكررت الإساءة أمام الجمهور، وتراجعت حساسيتهم تجاهها، أصبح السلوك أقل غرابة وأكثر قابلية للتقليد. وبناء على ذلك، فإن الضرر لا يقف عند الشخص الذي تعرض للسباب أو القذف، بل يمتد إلى البيئة الاجتماعية التي تتشكل فيها تصورات جديدة عن حدود المقبول والممنوع.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الظواهر لا ينبغي أن يكون محصورا في انتظار البلاغات الفردية، لأن البلاغ يكشف واقعة، بينما قد تكشف قراءة الوقائع المتكررة ظاهرة أوسع. ولهذا، فإن الجهات الأمنية والمعنية مطالبة، في حدود اختصاصاتها، بأن تقرأ ما يظهر في الفضاء الالكتروني، وأن ترصد الأنماط المتكررة، وأن تبحث في أسباب انتشارها، وأن تربط بين الوقائع المتشابهة؛ إذ إن قيمة المعلومة الأمنية لا تكمن في تسجيلها فحسب، وإنما في تحليلها واستخلاص المؤشرات منها.
والأهم من ذلك أن القراءة الأمنية لا تقف عند سؤال: من ارتكب الجريمة؟ بل تتجاوز ذلك إلى سؤال آخر أكثر أهمية: إلى أين يمكن أن يقود انتشار هذا السلوك إذا استمر؟ فقد تبدأ الظاهرة بعبارات مسيئة، ثم تتطور إلى تشهير أو تحريض أو تهديد، وقد تنتقل آثارها من المجال الالكتروني إلى الواقع الاجتماعي. وبالتالي، فإن التنبؤ بالتداعيات المحتملة يمثل جزءا من الوقاية، لأن معالجة الخطر قبل اتساعه أيسر من معالجة نتائجه بعد وقوعها.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الرصد لا تعني التوسع في التجريم، ولا تعني اعتبار كل خلاف أو نقد جريمة؛ فالتمييز بين السلوك المشروع والسلوك المجرم يظل أساسا لا غنى عنه. فالمقصود هو أن تتحول الملاحظة الاجتماعية إلى قراءة مؤسسية، وأن يكون الحق العام حاضرا عندما تتجاوز الممارسة حدود الواقعة الفردية وتتحول إلى نمط يهدد سلامة البيئة الاجتماعية.
وفي النهاية، فإن صيانة المجتمع لا تتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما تبدأ بالوعي المبكر بالظواهر التي يمكن أن تنتج مزيدا من الجرائم. فإذا أصبحت الجرائم المعلوماتية مشهدا معتادا، فإن تجاهل مؤشراتها لا يلغي وجودها، بل قد يسمح باتساعها. ومن هنا، فإن الرصد والتحليل والتنبؤ ليست أعمالا لاحقة للجريمة، وإنما أدوات وقائية لحماية المجتمع وصيانة الحق العام.
expert_55@
