ما الذي بقي للمدرسة بعد وفرة الإجابات؟
هاني إبراهيم المشيقح4 دقائق للقراءةحجم الخط
يستطيع طالب اليوم أن يطلب من هاتفه شرح قانون في الفيزياء، أو تلخيص فصل في التاريخ، أو اقتراح أنشطة متعددة ودليل تطبيقها، فيحصل خلال ثوان على ما يريد. أمام هذا المشهد يبرز سؤال يبدو محرجا: إذا أصبحت الإجابات متاحة إلى هذا الحد، فما الذي بقي للمدرسة؟
المشكلة هنا لا تكمن في القلق الذي يعبر عنه السؤال، بل في الافتراض الذي ينطلق منه: حيث يفترض السؤال أن وظيفة المدرسة هي إيصال الإجابة؛ حيث تشكل جانبا كبيرا من التعليم في زمن كانت المعرفة فيه نادرة، فكان طبيعيا أن تؤدي المدرسة دور الناقل المنظم للمعلومات، أما اليوم فنحن لا نعاني ندرة الإجابات بل فيضها، ولا نواجه عجزا عن العثور على رأي بل صعوبة في معرفة أيها أصدق وأيها أعدل، فظهور حلول المسائل على شاشة الطالب لا يعني أنه قد امتلك معرفة؛ إذ قد يقرأ النتيجة من غير أن يفهم مقدماتها، ويحفظ التفسير من غير أن يستطيع تطبيقه، فالوصول إلى المعلومة حدث تقني، أما التعلم فهو تحول في القدرة: أن يصبح المتعلم أقدر على الفهم والتفسير والمقارنة والحكم. ولهذا لم يعد السؤال: كيف نحشو الذاكرة بما تستطيع الآلة استعادته؟ بل: كيف نبني عقلا يستطيع فحص ما تستعيده الآلة؟
ولا يعني ذلك التقليل من الحفظ أو المعرفة الأساسية؛ فالعقل لا يفكر في فراغ، ولا يستطيع المرء نقد مفهوم يجهله، والفرق أن المعرفة ينبغي أن تكون مادة للحكم لا بديلا عنه، فالسؤال الأدق، إذاً، ليس ما الذي بقي للمدرسة، بل ما الوظيفة التي أصبحت أكثر أهمية في هذا السياق؛ أرى أن هذه الوظيفة هي بناء «أهلية الحكم»: قدرة الطالب على أن يسأل عن مسوغ الدعوى، ويميز بين الحقيقة والتفسير، ويعرف درجة اليقين التي يسمح بها الدليل، ويراجع موقفه حين تتغير المعطيات، والحكم هنا ليس انطباعا شخصيا، بل ممارسة عقلية وأخلاقية؛ لأن كل قرار يتضمن أسبابا وآثارا ومسؤولية لا يمكن تفويضها إلى آلة.
ويبدأ هذا التحول من طبيعة السؤال داخل الصف، هل ما يزال كثير من الأسئلة التعليمية يكافئ الاسترجاع: عرف، عدد، اذكر؛ وهذه أسئلة لازمة في موضعها، لكنها لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تتبعها أسئلة تكشف بنية التفكير: لماذا تعد هذه الحجة أقوى؟ ما الافتراض الذي تقوم عليه؟ متى لا تنطبق القاعدة؟ ما الدليل الذي لو ظهر لتغير حكمك؟ عندئذ لا يعود السؤال فجوة يبحث الطالب عن عبارة لملئها، بل أداة يرى بها حدود معرفته؛ وحين يسأل المعلم كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟ يصبح الخطأ معلومة تربوية لا وصمة، ومن لا يتعلم مراجعة خطئه في المدرسة يصعب عليه الاعتراف به خارجها.
وعند التقويم؛ إذا كانت الدرجة تمنح للإجابة النهائية وحدها، فسيبحث الطالب عن أقصر طريق إليها سواء أفهمها أم لا، أما حين يطلب منه أن يظهر مسار استدلاله، ويعلل اختياره، فإن التقويم نفسه يصبح جزءا من التعلم؛ فالغاية ليست من الطالب من استعمال التقنية، بل في تصميم التقويم؛ وهذا لا ينتقص من سلطة المعلم، بل يعيد تأسيسها، لم تعد قيمة المعلم في أنه الشخص الوحيد الذي يملك المعلومة، وإنما في أنه الأقدر على وضع معايير استعمالها: يكشف الافتراض الخفي، ويفرق بين المصدر الموثوق والادعاء المصقول، ويعلم طلابه أن الطلاقة اللغوية ليست برهانا على الصدق، فالتقنية توسع قدرة الطالب على الوصول، أما المعلم فيبني قدرته على التمييز.
ويكتسب هذا السؤال وزنا مضاعفا مع بدء عام دراسي جديد، وبعد صدور نظام التعليم العام الجديد بما يؤسسه من إطار للجودة والحوكمة ومواكبة التحولات؛ غير أن النظام، مهما بلغت جودة بنائه، لا يدخل الفصل بنفسه؛ بل يتحول إلى واقع من خلال سؤال جيد يطرحه المعلم، ومهمة تعليمية تبنيها المدرسة، ومسار تفكير يكافئه التقويم، فإذا تغيرت المنصات وبقي منطق التلقين كما هو، نكون قد رقمنا الدرس القديم ولم نجدد التعليم.
وشراكة الأسرة في هذا التحول تتمثل بنقل السؤال المعتاد «كم حصلت؟» والذي يرسل إلى الأبناء رسالة ضمنية بأن قيمة التعلم تختصر في رقم، إلى أسئلة أخرى: ما الفكرة التي فهمتها اليوم على نحو مختلف؟ ما الدليل الذي أقنعك؟ ما السؤال الذي لم تجد له جوابا؟ فهذه الأسئلة الصغيرة تنقل الاهتمام من حصيلة الاختبار إلى بناء العقل، ومن الخوف من الخطأ إلى القدرة على تفسيره.
إن تنمية القدرات البشرية لا تعني أن يعرف الإنسان أكثر فحسب، بل أن يحسن استخدام ما يعرفه، وأن يظل مسؤولا عن حكمه، والميزة التي نحتاجها في أبنائنا ليست منافسة الآلة في سرعة استدعاء المعلومات؛ فهذه معركة حسمت سلفا، بل امتلاك ما لا تمنحه السرعة وحدها: دقة السؤال، ونزاهة الاستدلال، وشجاعة المراجعة، والوعي بعواقب القرار.
حين كانت الإجابات نادرة كان من أهم أدوار المدرسة أن تقربها، أما بعد أن فاضت الإجابات فأصبح دورها الأعمق أن تعلم الطالب ما الذي يستحق أن يسمى جوابا، فالمدرسة لم تفقد ضرورتها؛ بل ازدادت ضرورتها، وفي المستقبل لن يصنع الفارق من يصل إلى الإجابة أولا، بل من يعرف لماذا يقبلها، ومتى يرفضها، وكيف يطرح سؤالا أفضل.
