في مدينة ديترويت الأمريكية، تحولت مسألة قطع المياه عن الأسر المتعثرة في السداد، من إجراء إداري لتحصيل الفواتير إلى قضية أثارت نقاشا واسعا في أدبيات التخطيط، والعدالة الحضرية، وحقوق الإنسان. يبدو الأمر منطقيا عندما نتعامل مع فواتير عادية تستحق السداد؛ ولكن الأمر أكثر تعقيدا عندما نتناول خدمات الطاقة الأساسية بما فيها إمدادات المياه والكهرباء، فربط الخدمة بالسداد أو مجرد التهديد بالقطع أمر يحتاج إلى إعادة نظر في إطار المدينة.

أصبح مفهوم العدالة في المدن أوسع من مجرد المساواة في توفير الخدمات والمرافق العامة وفرص التعليم، فالمدينة العادلة تؤكد على الإنصاف وإعادة النظر في السياسات الحضرية وأثرها على الفئات المستضعفة. إن العدالة التوزيعية والإجرائية موضوع أساسي في برامج الدكتوراه في التخطيط والدراسات الحضرية وفي نظريات التخطيط المتقدمة. تقول Fainstein في كتاب The Just city «إن الإنصاف لا يقتضي معاملة كل شخص بالطريقة نفسها؛ بل أن تكون المعاملة ملائمة لظروفه».

نتفق على أن خدمات الكهرباء والمياه ليست خدمات كمالية؛ فالحاجة أساسية لمياه الشرب والطاقة، ولا ينبغي التعامل معهما بأسلوب نقطع أو لا نقطع. ومن هنا يبرز تساؤل هام يتمحور حول إمكانية ربط الوصول إلى مقومات الحياة الأساسية بالقدرة على الدفع؟ علينا التفكير مليا على من يتم تطبيق ذلك، وما هي الظروف التي تستدعي قطع التيار الكهربائي أو الماء ومتى؟ وهكذا فتوحيد المساواة الإجرائية لا يعني بالضرورة توحيد الأثر ذاته.

قد تكون المدينة ذكية في قراءة عداد الكهرباء أو المياه وأنظمة المرافق العامة، هذه المدن لديها قدرة من خلال النظام الرقمي على معرفة حجم الاستهلاك، وإرسال رسائل التذكير، واستلام المدفوعات، وقطع الكهرباء آليا دون تدخل بشري. لكن كفاءة التقنية غير قادرة على استيعاب مضمون العدالة في المدن، فعندما نتعامل مع أنظمة المرافق العامة على أنها مجرد «آلة تحصيل» تصبح المدينة منظومة تقنية جامدة لا تتفاعل مع سياقها الاجتماعي.

أتساءل، هل التقنيات استطاعت أن تكون ذكية لفهم التباين الاجتماعي والاقتصادي؟ الأكيد هناك فرق شاسع بين شخص قادر على الدفع ولكنه يتأخر في السداد، وبين أسرة محدودة الدخل، أو مسن يعتمد على جهاز الأكسجين. السؤال وفي إطار نظرية التخطيط العادل هل يمكن تطبيق الإجراء نفسه على الجميع؟

قد تكون المدن شديدة الكفاءة في تحصيل الرسوم والخدمات ولكنها غير قادرة على الوصول لنموذج عادل وقادر على استيعاب الفجوات بين أفراد المجتمع تحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص. وأنا هنا لا أعني بالطبع أن تكون هذه الخدمات مجانية، فبالتأكيد مقدم الخدمة يحق له الحصول على المستحقات، ولكن السؤال الأهم هل استطاعت المدن المعاصرة بناء منظومة قادرة على تحصيل الحقوق دون أن تؤثر على الفئات محدودة الدخل؟ وهل استنفدت جميع الفرص والبدائل؟ وهل توجد خيارات أخرى أو برامج ميسرة تراعي هذه الفوارق قبل تطبيق آلية إيقاف الخدمة؟ هذه الأسئلة تجعلنا نعيد النظر في مفهوم «المدينة العادلة» ليس في كونها مدينة بلا التزامات؛ بل مدينة لا تجعل كفاءة الالتزام وسيلة للحرمان من مقومات الحياة الأساسية.

إن التحدي اليوم ليس في رقمنة الخدمات وتحويل أنظمة المرافق العامة إلى منظومة ذكية قادرة على تحصيل الفواتير وإرسال الإنذارات؛ ولكن التحدي في استيعاب الفجوات الاجتماعية وتوفير بدائل تستجيب لشرائح المجتمع كافة. باختصار، المدينة قد تكون ذكية في تطبيق النظام؛ ولكنها تعجز عن قراءة ظروف الإنسان.