منذ ولادة اتفاقية مكة، تعددت القراءات الإقليمية والعالمية حيالها؛ فهناك من يراها فرصة تاريخية للأمن والاستقرار والتنمية، وهناك من يراها مشروعا يجب الاقتراب منه بحذر، وهناك من يدرك أن نجاحها قد يفرض عليه تغيير مخططات فردية اعتاد أن يمارسها لسنوات.

بعض الدول ترغب في الانضمام للاتفاقية، لكنها تتمنى لو يطلب منها التفضل بالدخول!

ولذلك كثر الحديث عن الشروط والضمانات والمصالح الاقتصادية والسياسية، وكأن المطلوب أن تصبح العضوية امتيازا تفاوضيا لا التزاما صارما لقواعد مشروع سلام إقليمي مكين.

وهناك دول أخرى تريد الدخول فعلا، لكنها تجد نفسها عاجزة عن التوفيق بين ارتباطات صنعتها خلال سنوات طويلة؛ باتفاقات اقتصادية، والتزامات سياسية، وخضوعها لعمليات تجسس وتدخل وضغوط إقليمية ودولية تجعل قرارها أكثر تعقيدا.

والجميع يعرف أن المستقبل يتحرك باتجاه الاتفاقية، لكن البعض لا يستطيع مجاراة سرعة التحولات نفسها.

والأكثر حساسية هي تلك الدول التي اختارت طريق التطبيع مع إسرائيل، واجدة أنفسها أمام استحالة الجمع بين المسارات المتعارضة: وبناء الأمن المشترك، واحترام سيادة الدول، وعلى رأسها الاعتراف بأحقية قيام الدولة الفلسطينية لتثبيت الاستقرار في الإقليم.

وهنا لا تعود الرغبة في الانضمام لاتفاقية مكة كافية؛ دون الولاء الكامل للدول المؤسسة للاتفاقية، ورفض أي جمع بين نقيضين، وأي مسار مستقبلي متعارض، وخصوصا أن المعضلة ليست في توقيع الوثيقة، وإنما في القدرة على الالتزام بما تنشده، وما يبنى عليه مستقبلا.

دول أخرى قد ترى في الاتفاقية خطرا مباشرا على طموحاتها؛ بمعرفة أن الأمن الجماعي سيضيق عليها مساحات التلاعب والمؤامرات، ويمنعها من التدخل في شؤون الآخرين، وضرورة أن تقوم بقطع تمويل الإرهاب للجماعات المسلحة والمرتزقة، ونبذ أي مخططات لزعزعة استقرار الدول عبر خدعة التنمية والاقتصاد.

ودول أخرى تخشى الرقابة المالية والتعاون الدولي في مكافحة الفساد وغسل الأموال والاتجار بالبشر وتمويل الأنشطة المشبوهة، مما يحرمها من مساحات واسعة كانت تتحرك فيها لنهب ثروات الشعوب العاجزة عن الرد.

ولهذا فليس مستغربا أن تظهر حملات عديدة على مواقع التواصل لتشويه فكرة اتفاقية مكة، والتشكيك في جدواها، وبطرق تدعو للاستهجان.

بعض الرافضين لا يخافون من الاتفاقية نفسها، وإنما يخافون مما ستمنعهم عنه من غرور وتهور ونزوات طيش.

وبعض العواصم تتمنى أن تدخل الاتفاقية لتتمكن من الإفساد بفرض شروطها، والاستفادة المادية من خلال الخداع والتسويف، وعدم الالتزام بروح وشروط الاتفاقية، بل ومحاولة تفكيك قواعدها.

وهنا تظهر حساسية اتفاقية مكة، كونها مكسبا لكل من يريد الانضمام إليها، ومحك مصداقية لاستكشاف النوايا، وفرصة لسد الثغرات، وحماية مستقبل الإقليم.

والواقع أن الشفافية والإخلاص يشكلان حجر الزاوية في قبول أو رفض الانضمام للاتفاقية، بمصداقية ترفض أي نزوات أو فوضى، بهدف التفاني لصنع كلمة موحدة.

إن من يتحايل ويخادع، لا شك سيجد نفسه واقفا أمام باب اتفاقية مغلق.

اتفاقية عاقلة ناضجة، لا تفتح أبوابها لكل من أراد الدخول، بل تنتقي الأصلح، بعد التأكد من الفائدة المرجوة من العضو القادم إليها، ومدى أمانته ومصداقيته ونواياه نحو وطنه والشرق الأوسط والاتفاقية ومؤسسيها.