في زحمة الطريق إلى العمل، أو في الدقائق الأخيرة قبل النوم، يبدأ عند الكثيرين حوار داخلي من نوع مرهق. حيث تسترجع موقفا مؤلما مع زميل، قريب، مسؤول يرد وفق ما حدث خلال هذا الموقف.. ولكن ترد أنت بالجملة الحاسمة أو المناسبة التي تأتي في وقتها تماما.. كما تخيلت وليس وفق ما حدث فعليا في الواقع. لتخرج من هذا الحوار منتصرا وتغادر الموقف وأنت مزهوا من معركة لم تقع ولم تكتب نهايتها كما تخيلت.

لهذا السلوك اسم لطيف تداولته مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة: «جوسكا..» (Jouska) ولعلنا نبدأ بتصحيح صغير: جوسكا ليست متلازمة طبية، ولا تشخيصا معتمدا في أي دليل تصنيفي، رغم أنها تتداول أحيانا بهذه الصفة. إنها كلمة ابتكرها الكاتب الأمريكي جون كينيغ ضمن مشروعه «قاموس الأحزان الغامضة»، وهو مشروع بدأ على الإنترنت ثم نشره في كتاب، ويقوم على فكرة واحدة: أن ثمة مشاعر إنسانية شديدة الشيوع لم يخترع لها اسم بعد. وعرفها بأنها الحوار الافتراضي الذي يعيده المرء في رأسه قسرا: تحليل حاد، أو رد قاصم، أو مصارحة مؤجلة، تبدو أكثر إرضاء من الحديث الحقيقي الحذر. الاسم أدبي لكن ما يصفه ليس كذلك. فخلفه سلوك ذهني موثق ومدروس منذ عقود، وله كلفة يدفعها الشخص الذي يعاني منها.

فالبشر كائنات اجتماعية إلى حد أن أدمغتنا تنفق جزءا كبيرا من طاقتها في محاكاة عقول الآخرين: ماذا سيقول وكيف سيفهم المقصود وبم سيرد. وفي الواقع هذه المحاكاة ليست خللا، إنها إحدى أرقى قدراتنا لكنها لا تعرف متى تتوقف. في دراسة نشرتها مجلة Science عام 2010، تابع الباحثان ماثيو كيلينغزورث ودانيال غيلبرت أكثر من ألفي مشارك عبر تطبيق يسألهم في لحظات عشوائية عما يفعلونه وعما يفكرون فيه. جاءت النتيجة أن العقل يكون في مكان آخر غير ما يفعله صاحبه في نحو 47% من ساعات اليقظة. الأثر لم يكن ضخما، لكنه كان ثابتا ومتكررا. نصف حياتنا الواعية تقريبا يمضي العقل في مكان لسنا فيه، وكثير من ذلك المكان مشغول بحوارات لم تحدث.

أما «فرضية التفكير المجتر» التي قدمها الباحث الهولندي يوس بروسخوت وزملاؤه في Journal of Psychosomatic Research فخلصت إلى أن الضغط النفسي لا يؤذي الجسد في لحظة وقوعه بقدر ما يؤذيه حين نطيل تمثيله ذهنيا قبل الحدث وبعده. القلق الاستباقي والاجترار اللاحق يبقيان استجابة التأهب في وضعية العمل زمنا أطول مما تحتاجه، وربطت المراجعات بينهما وبين مؤشرات في نشاط القلب والأوعية والهرمونات والمناعة. بعبارة أبسط: الحوار الذي أدرته في رأسك عشر مرات، دفع جسدك ثمنه عشر مرات، بينما لم يخض الطرف الآخر منه شيئا.

هنا يجب التنويه إلى نقطة في غاية الأهمية قبل أن يتحول هذا الطرح إلى إدانة عامة للتفكير بمجمله. فالحوارات المتخيلة ليست كلها استنزافا. حيث قام الباحث جيمس هانيكت بدراستها تحت مسمى «التفاعلات المتخيلة»، ورصد لها وظائف متعددة مثل: التحضير لحديث صعب، وفهم الذات، وتفريغ الانفعال، والحفاظ على علاقة هامة، وتعويض غياب أو فقد من نحب. من يستعيد صوت والده الراحل في رأسه لا يمارس عبثا، ومن يرتب جمله قبل مقابلة مصيرية يفعل ما ينصح به المدربون. لكن هانيكت نفسه طور ما سماه نظرية «ارتباط الصراع»، ومفادها أن الخلاف يبقى حيا في العلاقات لأننا نبقيه حيا في رؤوسنا. نعيد المشهد، فنجدد الغضب، فنعيده مرة أخرى بصيغة أشد. وقد ينتهي الأمر بأن نظل نتشاجر مع شخص نسي الخلاف من زمن، أو مع شخص لم يعد موجودا أصلا في دائرتنا.

الفارق إذًا ليس بين من يفكر ومن لا يفكر، بل بين استرجاع لهدف وحلقة مغلقة. الاسترجاع الهادف له نهاية: تخرج منه بجملة ستقولها فعلا، أو بقرار، أو بفهم أوضح لما تريده من الموقف. أما الحلقة المغلقة فهي لا تنتهي، تعيد إنتاج نفسها بصيغ أنيقة، وتمنحك شعورا زائفا بأنك تعالج المشكلة بينما أنت تغذيها. والسؤال الذي يفرز بينهما بسيط: هل خرجت من هذا الحوار بشيء ستفعله، أم بغضب أكبر مما دخلت به؟

ليس المطلوب أن نطفئ هذا العقل، فهو ليس عيبا يصلح، بل هو نفسه ما يجعلنا قادرين على التخطيط والاعتذار والتراجع وتفهم ما يشعر به الآخر. المطلوب أن نلاحظ متى تحول التفكير من إعداد أفضل لممارسة الحياة إلى بديل عنها. وحين يصبح هذا الشريط ثقيلا إلى حد أن يسرق النوم أو يعطل اليوم، فتلك إشارة تستحق الانتباه لا التوبيخ الذاتي.

في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها ترد ببراعة على شخص ليس في اللحظة أو الموقف ذاتهما، اسأل نفسك سؤالا واحدا: هل سأقول هذا فعلا؟ إن كانت الإجابة نعم، فاختصر الطريق وقلها. وإن كانت لا، فامنح عقلك ما تمنحه لخصمك المتخيل في كل مرة: فرصة أن يهدأ.

فأكثر الحوارات إرهاقا في حياتنا ليست تلك التي خسرناها، بل تلك التي ربحناها وحدنا.