نحن بحاجة إلى منصات إعلامية رسمية تخاطب العالم
محمد المغيري4 دقائق للقراءةحجم الخط
العالم بأسره يصغي إلينا، ولكن من يروي له حكايتنا؟
عندما يعتزم أحدنا السفر إلى بلد لم يزره من قبل، لا يتجه عقله أولا إلى الحقيبة أو التذكرة، بل إلى شاشة هاتفه؛ بحثا عن ملامح تلك الوجهة، وقوانينها، وعاداتها، ومعالمها الجديرة بالزيارة، وتجارب من سبقوه إليها؛ هذا التساؤل الفضولي من وكيف ولماذا لي؟ يتكرر اليوم بوتيرة غير مسبوقة على أبواب المملكة، التي استقبلت وفقا للتقرير الإحصائي السنوي لوزارة السياحة ما يقارب 120 مليون زائر خلال عام واحد، بحجم إنفاق سياحي قارب 300 مليار ريال، وفي هذا السياق نقلت صحيفة «عرب نيوز» عن معالي وزير السياحة أحمد الخطيب الذي وصف هذه الأرقام بأنها تعكس تحولا هيكليا حقيقيا لا نموا عابرا، كما أفاد بيان رسمي صادر عن الهيئة العامة للترفيه، نشرته وكالة الأنباء السعودية، بأن زوار الفعاليات والوجهات الترفيهية وحدهم تجاوزوا الـ90 مليون زائر في العام ذاته.
أرقامٌ كهذه لا تحتاج لدراسة إن كانت المملكة مستعدة لاستقبال العالم، بل تؤكد أن العالم قد وصل بالفعل، وهو ينظر ويصغي ويحتاج فقط لمحتوى متخصص يشبع فضوله.
تدرك جهات سعودية عديدة هذه الحقيقة؛ فمركز التواصل الحكومي التابع لوزارة الإعلام يعمل منذ تأسيسه عام 2018 على توحيد الرسائل بين أكثر من تسعين جهة حكومية، كما تبث وكالة الأنباء السعودية أخبارها يوميا بست لغات عالمية؛ وهي جهود تستحق التقدير، إلا أن طبيعة عملهما تظل أقرب إلى البيان الرسمي والتحليل الإخباري منها إلى المحتوى الذي يلامس حياة الجمهور اليومية، فالبيان الصحفي يخاطب الصحفي والمستثمر، بينما يحتاج السائح الفضولي، والطالب الباحث، والمشاهد العابر إلى نمط مختلف؛ محتوى توعوي يشرح، وثقافي يقرب، وتعريفي يرحب؛ وخاصة أن المملكة تحظى اليوم بإنجازات نوعية وضعتها في طليعة مسيرة التنمية عالميا، بدءا من النمو الاقتصادي المتسارع في القطاعات غير النفطية، وصولا إلى المكانة المتقدمة في مؤشرات جودة الحياة والابتكار، ومن بين قوالب المحتوى كافة، يبرز «الفيديو القصير» باعتباره الأكثر قدرة على الإقناع والتوضيح؛ إذ تشير تقارير صناعة المحتوى الرقمي إلى أن هذا النوع من الفيديوهات يحقق معدلات تفاعل تفوق النص والصورة مجتمعين بأضعاف، لقدرته على اختصار مسافة الفهم بين ثقافتين مختلفتين في أقل من دقيقة، وبمثل هذا النوع من الإنتاج هو ما يؤكد على حاجة العصر الحالي لولادة منصات سعودية رسمية تدير الاتصال الجماهيري الدولي.
تشير الدراسات المعنية بسلوك الجمهور الرقمي إلى حقيقة جوهرية؛ وهي أن المتلقي، رغم تعامله مع القوالب التقنية ذاتها كالفيديو والمقال والبودكاست، يختلف في مرجعيته الثقافية التي يفسر من خلالها هذا المحتوى، يميل المشاهد الأمريكي إلى الأرقام والحقائق المباشرة، ويفضل نظيره الآسيوي السرد القصصي والسياق العاطفي، وهو ما يصطلح عليه في دراسات التواصل بـ«توطين المحتوى»؛ أي إعادة صياغته بما يتجاوز الترجمة الحرفية ليصل المعنى والمشاعر إلى المتلقي بلغته الثقافية، والمطمئن في هذا المسار أن أدوات تحقيقه متاحة وسهلة التحقيق، من منصات توزيع وأنظمة إدارة محتوى متطورة، فضلا عن توفر الكوادر الوطنية المؤهلة في الإنتاج والتحرير والترجمة، وكذلك المحتوى الإبداعي العصري، فإن ما نحتاجه ليس الإمكانات، بل التخطيط الاستراتيجي الذي يوظف هذه الطاقات في صناعة إعلامية متسقة تليق بحجم الإنجازات والمشاريع التي تشهدها المملكة.
تأتي هذه الحاجة في توقيت حاسم؛ فالمملكة تقف على أعتاب أضخم موجة استقبال للزوار في تاريخ الدول الحديثة بشكل عام، عبر محطات زمنية متقاربة، يتقدمها موسم الرياض الذي يستقطب الملايين خلال أسابيع معدودة، ومعرض «إكسبو 2030»، وصولا إلى استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034، في نسخة تقام بالكامل داخل المملكة العربية السعودية، وفي القطاع الرياضي وحده، وبحسب الموقع الرسمي لدوري روشن السعودي للمحترفين، تجاوز الحضور الجماهيري في الملاعب مليونين ونصف المليون متفرج في موسم واحد، وهو رقم يعكس توسع القاعدة الجماهيرية للكرة السعودية عالميا، لا محليا فحسب، أما على صعيد المشاريع الكبرى، فقد أشار التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 إلى قفزة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لتصل إلى قرابة 133 مليار ريال، وهو ما يتجاوز خمسة أضعاف مستواها قبل عقد من الزمان، ومع اقتراب هذه المحطات، يبرز كحكمة تطلب بناء منصات محتوى تحت مظلة إعلامية حكومية موحدة، بدلا من الاعتماد الكلي على قنوات خاصة متفرقة؛ لا تضييقا على أحد، بل لأن الصوت الرسمي يمنح الرسالة مصداقية أكبر، ولأن توحيد الجهد يضمن ترشيد التكاليف كما هو حاليا، وتوجيهها نحو استثمار مركز في محتوى أعمق وأشمل، كما يفتح هذا المسار فرصة جوهرية أمام الكوادر الإعلامية الشابة والمبدعة، لنقلها من مواهب غائبة إلى قادة لمنصات تليق بطموحها وإلى صناعة وطنية متكاملة تخدم الرسالة الوطنية وتطور الموهبة في آن واحد.
يلمس المتأمل للمشهد السعودي اليوم تميزا شاملا لا يقتصر على قطاع دون غيره؛ من الترفيه والسياحة إلى الاقتصاد والرياضة التي تشهد جذبا ملحوظا للعالم، وفي تصاعد لافت، وهذا الحراك الإيجابي يولد عوائد إعلامية عالية غالبا ما نغفل عنها، رغم تأكيد الباحث «سايمون أنهولت» صاحب أشهر مؤشر عالمي لسمعة الدول أن صورة الأمم لا تبنى بالإنجازات فحسب، بل بمدى القدرة على سردها للعالم بأسلوب متسق وصادق، فالمقومات متوفرة، والكوادر جاهزة، والجمهور العالمي يترقب بفضول، ولم يبق سوى خطوة واحدة للانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.
