في 34 دولة حول العالم، تتوسع تجارب «بنك الوقت»، حيث يقدم الأفراد خدمات تطوعية لبعضهم، وتحتسب ساعات العطاء رصيدا يمكن الاستفادة منه لاحقا. قد تذهب سيدة، مثلا، ساعتين كل ثلاثة أيام لمساعدة مسنة شبه عاجزة وتسكن في الحي نفسه، فتساعدها في التنظيف والترتيب ومتابعة أدويتها وشراء احتياجاتها، وتسجل الساعات التي قدمتها - مزودة الخدمة - في رصيدها، ويمكنها استخدامها مستقبلا عندما تحتاج إلى مساعدة أو تنشغل أو عندما يتقدم بها السن. وهكذا يتحول الوقت إلى وسيلة لتبادل الخدمات داخل المجتمع.

«بنك الوقت» هو منصة أو نظام يسجل ساعات التطوع التي يقدمها الشخص، ليتمكن من استخدامها لاحقا في الحصول على خدمات من الآخرين يرغبون في تحصيل ساعات في المنصة نفسها، وهذه المنصة تعتبر مكانا لتنسق الحاجيات والأعمال المطلوبة والخدمات المعروضة. وقد تطورت التجربة في بعض الدول من مبادرات تطوعية محدودة إلى شبكات مجتمعية لتبادل المهارات والخبرات.

في الولايات المتحدة الأمريكية، شملت بنوك الوقت خدمات متعددة، منها التعليم ورعاية الأطفال والنقل والصيانة والخدمات المنزلية والرفقة. يحصل الشخص على رصيد مقابل كل ساعة يقدمها، ثم يستخدمه للحصول على خدمة من شخص آخر. الحصيلة تقديم أكثر من 3.2 ملايين ساعة من الخدمات، فيما أفاد 90% من الأعضاء الأكبر سنا في إحدى التجارب بأنهم كونوا صداقات جديدة، وهذا يعتبر مهما جدا في مجتمع يفتقد للترابط الأسري.

تبرز أهمية بنوك الوقت خصوصا في رعاية كبار السن ومساندة الأسر والدعم الدراسي ونقل الخبرات بين الأجيال والتعليم والمساعدة التقنية بأنواعها، ومواجهة العزلة الاجتماعية. وفي بريطانيا، أظهرت إحدى التجارب أن 85% من المشاركين أصبحوا يلتقون بأشخاص أكثر، و80% شعروا باندماج أكبر في مجتمعهم، فيما أشار 66% إلى انخفاض شعورهم بالوحدة.

ماذا يمكن أن يقدم للمجتمعات العربية والمسلمة؟ أعتقد أن المجال الأكثر تأثيرا يمكن أن يكون ربط الأجيال بالتعلم والمهارات؛ فالمتقاعد يقدم خبرته المهنية، والشاب يقدم مهارات التقنية والذكاء الاصطناعي، والطالب المميز يقدم الدعم الدراسي لمن هم أصغر منه، بينما يمكن للأسر الاستفادة من خدمات المساندة المختلفة.

وبذلك لا يكون بنك الوقت مجرد وسيلة لتبادل الخدمات، بل منصة لتحويل الخبرات والمهارات المتاحة في المجتمع إلى قيمة اجتماعية واقتصادية مستدامة. ويمكن تطبيق الفكرة في الجامعات بحيث يتبادل الطلاب الدعم الأكاديمي والمهارات، وفي الأحياء لخدمة كبار السن ومساعدة الأسر في المهام التقنية، أو تدريب الشباب على المهارات المهنية. كما يمكن للشركات مشاركاتها ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية، بالإضافة إلى أصحاب التخصصات كالممرض والطبيب الذين يستطيعون تقديم التوجيه والرعاية.

في عالم تتسارع فيه الحياة وتزداد فيه قيمة المال والموارد، يقدم بنك الوقت تصورا مختلفا لقيمة الإنسان، ليس بما يملك من مال فقط، بل بما يستطيع تقديمه من وقت وخبرة وجهد، فالساعة التي يقدمها شخص لمساعدة آخر لا تضيع، بل تتحول إلى رصيد يمكن أن يعود بالنفع عليه أو على غيره مستقبلا. ربما يكون الاستثمار الذي نحتاج إليه اليوم ليس ماليا دائما، بل في الوقت الذي نهبه لبعضنا والأثر الذي نتركه والمجتمع الذي نبنيه معا.