﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ (الأنفال: 61).
منذ أن أكرم الله مكة المكرمة بأن تكون مهبط الوحي وقبلة المسلمين وهي تجمع القلوب قبل الأجساد، وتوحد الكلمة قبل المواقف، ولم تعد مكة في عصرنا الحديث رمزا دينيا فحسب بل أصبحت كذلك محطة تنطلق منها المبادرات الكبرى التي ترسم ملامح المستقبل وتؤسس لشراكات تتجاوز حدود الجغرافيا؛ لتخدم الأمن والاستقرار والتنمية في العالم الإسلامي.
وفي هذا السياق تكتسب اتفاقية مكة الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية أهمية استثنائية، ليس لأنها جمعت ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي فحسب، بل لأنها انطلقت من أطهر بقاع الأرض مكة المكرمة، حيث تمتزج قدسية المكان بعظمة الرسالة.. وحيث يكون الاتفاق أكثر من مجرد وثيقة، بل تعبير عن إرادة مشتركة لصناعة مستقبل أكثر استقرارا وتعاونا.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان، أن السياسة الحكيمة لا تبنى على ردود الأفعال وإنما على استشراف المستقبل وبناء الجسور وجمع الشركاء حول المصالح المشتركة، في وقت تعصف فيه بالمنطقة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة.
إن الجامع بين السعودية وتركيا وباكستان أكبر من حدود السياسة الآنية: فهو يجمع بين دول ذات ثقل إسلامي وتاريخ عريق ومواقع جغرافية مؤثرة وإمكانات اقتصادية وبشرية وعسكرية كبيرة، فضلا عن مسؤوليتها تجاه قضايا العالم الإسلامي، وما تواجهه المنطقة من تحديات تستوجب تنسيقا أعمق وتعاونا أكثر رسوخا.
فالمملكة تمثل القلب النابض للعالم الإسلامي بما تحتضنه من الحرمين الشريفين، وثقلها السياسي والاقتصادي ورؤيتها التنموية الطموحة، وتركيا تمثل جسرا حضاريا بين آسيا وأوروبا وتملك حضورا سياسيا واقتصاديا مؤثرا، أما باكستان فهي إحدى أكبر الدول الإسلامية سكانا وتمتلك قدرات علمية وعسكرية تجعلها شريكا مهما في معادلة الأمن والاستقرار.
وعندما تجتمع هذه الدول الثلاث في مكة المكرمة فإن الرسالة تتجاوز حدود الاتفاق ذاته: إنها رسالة تؤكد أن العالم الإسلامي قادر على بناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والتنسيق المسؤول، بعيدا عن الاستقطابات والصراعات التي أنهكت المنطقة لعقود.
ولا يمكن إغفال أن هذا الحراك يأتي في وقت تتسارع فيه المتغيرات الدولية والإقليمية، الأمر الذي يجعل من بناء التفاهمات بين الدول الإسلامية الكبرى ضرورة استراتيجية لا خيارا سياسيا عابرا.
فالتحديات التي تواجه الأمة من أمن الطاقة وسلامة الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب وتحقيق التنمية المستدامة، لا يمكن مواجهتها إلا برؤية مشتركة وإرادة صادقة وشراكات مؤسسية طويلة الأمد، وفي الإطار ذاته يكتسب التنسيق الأوسع بين المملكة وعدد من الدول الإسلامية المؤثرة ومن بينها: جمهورية مصر العربية الشقيقة ضمن مسارات التشاور الإقليمي أهمية إضافية تعكس اتساع دائرة العمل المشترك بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها، ويعزز فرص التعاون في مختلف المجالات.
إن المملكة لم تجعل من مكة مكانا لتوقيع الاتفاقيات فحسب
بل جعلتها عنوانا للحوار وجسرا للتقارب ومنصة لإطلاق المبادرات التي تنطلق من ثوابت الإسلام السمحة وقيم الاعتدال واحترام سيادة الدول والعمل من أجل خير الشعوب.
لقد علمتنا التجارب أن التحديات الكبرى لا تواجهها الدول منفردة وإنما تواجهها التحالفات الحكيمة والشراكات المتوازنة والرؤى البعيدة التي تنظر إلى المستقبل بثقة لا إلى الخلافات المؤقتة.
ختاما، إن اتفاقية مكة الأخيرة ليست حدثا بروتوكوليا عابرا
بل محطة تستحق التأمل والبناء عليها لأنها صدرت من مكة،
وفي مكة يختلف المعنى وتتعاظم الرسالة، ويكون للاتفاق بعد روحي وسياسي وحضاري في آن واحد. ولعل الأيام المقبلة تثبت أن ما بدأ من رحاب البيت الحرام سيكون نواة لشراكات إسلامية أوسع، قوامها التعاون، واحترام السيادة وتغليب الحكمة، وخدمة مصالح الشعوب بما يعيد للعالم الإسلامي شيئا من وحدته وقوته ومكانته.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عليها نعمة الأمن
والقيادة الحكيمة ووفقها لكل ما فيه خير الإسلام والمسلمين،
وجعل مكة المكرمة دائما منارة للوحدة ومنطلقا للمبادرات التي تجمع ولا تفرق وتبني ولا تهدم، وتصنع مستقبلا يليق بأمتنا العربية والإسلامية وتاريخها العريق. اللهم آمين.. يا رب.
مكة... حين توقع الشراكات ويصنع المستقبل
عبدالله بن محمد آل الشيخ3 دقائق للقراءةحجم الخط
