تعني لنا العلاقات الاجتماعية في جوهرها تلك الروابط التي تتسم بقدر كاف من التفاعل لخلق بيئة من الانتماء الصادق والأمن العاطفي؛ سواء كانت علاقات أسرية، أو قبلية وما يتفرع عنها من عشائر وجماعات، أو علاقات حضرية متمدنة، أو روابط الأصدقاء والزملاء في مجالات الدراسة والعمل.

ومن المفترض، وفق الرؤية الشاملة لهذه العلاقات، أن تكون قائمة على الصدق لتعزيز الانتماء وتوثيق الروابط بين الأفراد، بما يجسد شعورا حقيقيا يرتكز على الحب والوفاء المتبادل، وبناء على ضوابط المواءمة الشخصية والارتياح النفسي التي توظف لغة القلب والعقل معا. فلغة القلب تمنحنا المشاعر الإنسانية الصادقة والتواد النفسي التلقائي، بينما تمنحنا لغة العقل نظرة ثاقبة تحدد ملامح العلاقة وأهدافها السامية القائمة على المودة، وتترجمها لغة الجسد إلى أفعال وسلوكيات حسنة تعكس احتراما فعليا؛ مما يجعل من هذه العلاقات مثالا للقوة والتعاون والتكاتف.

هذا هو المأمول من العلاقات الاجتماعية، وهو شعور بات نادرا في وقتنا الحاضر؛ إذ أصبحت العلاقات تبنى غالبا على المصالح الشخصية، والمنافع المتبادلة، أو الصدف العابرة، أو حتى لملء الفراغ العاطفي وشغل الوقت بصداقات ظاهرها يخالف باطنها، حيث تملؤها الضغينة تحت قناع من الوئام الزائف الذي يستهلك الطاقة والصحة. إنها علاقات هشة وإن بدت قوية، وغير مستقرة وإن ظهرت ثابتة؛ لأنها تأسست على الكذب والمجاملة وقواعد تفتقر إلى النزاهة.

فبينما يفترض أن تستمد العلاقة الحقيقية اتصالها من الحب الصادق، والتلامس النفسي، والاحترام المتبادل، نجد أن واقع الكثير من العلاقات ليس إلا أدوارا تمثيلية يؤديها أطرافها دون كفاءة أو إخلاص، لتصبح مجرد شكليات تهدف إلى التدليس ومحاولة تزييف الواقع عبر أوهام يفرضونها على أنفسهم وعلى الآخرين.

هذه العلاقات المتوترة، التي صاغتها المصالح ودافعها الشعور بالنقص والسعي وراء المكانة الاجتماعية، هي علاقات سطحية يسهل كشف زيفها؛ فبينما يجمع أصحابها المكان والزمان، تظل قلوبهم شتى، وتتناقض أقوالهم مع أفعالهم، ويتحدثون بلغة الواثق بينما يعانون صراعا داخليا من الشك والجفاف العاطفي، مخادعين أنفسهم ومن حولهم بالتواصل الشكلي.

هي علاقات لا تمت للحب أو الوفاء بصلة، بل هي أداة لتحقيق أهداف اجتماعية عجزت تلك العقول عن بلوغها بسلام واستحقاق كما فعل العقلاء الذين يرفضون خوض مثل هذه التجارب أو الاستمرار فيها، ويفضلون العزلة على التورط في زيفها.

وعادة ما تحرص العقول النيرة على توطيد العلاقات الواقعية والأصيلة، كالعلاقة مع الوالدين - وبخاصة الأب إن كان سويا ومقدرا - والزوجين، والإخوة، والأقارب، وأصدقاء الطفولة؛ إيمانا منهم بأن هذه الروابط تمتلك مشاعر الحب النقي، ولا تقوم على مصالح عابرة، بل تنطلق من بدايات فطرية صادقة. لذا، يظل الأذكياء يبحثون عن هذه الروابط الحقيقية، بدلا من الانخراط في علاقات مشروطة ومضطربة تثير في النفس الخوف والقلق الدائم.

نقطة أخيرة: الذكريات عطور جميلة تمنح قلوبنا الراحة.