كلنا يعلم أن المملكة في السنوات الأخيرة، توشحت قيافة العصرنة، وانخرطت في سباق محموم وميكنة متسارعة نحو مدراج التقدم، وباتت أقنومة تضاهي الدول العالمية على ما آلت إليه من تحولات ونقلات في شتى المناحي والصعد؛ لكن كيف لنا أن نرويها بالصورة التي تليق بتحولاتها؟
أي صورة تتشكل في ذهن أي شخص لم تطأ قدماه أرض المملكة؟ ما التصور الذي يحمله عن تضاريسها وبيئاتها وتاريخها التي صنعت علاقتها بالمكان؟ وهل يعرفها كما نعرفها نحن؟ أم أن صورته الذهنية عنها تشكلت من شظايا متناثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار، وربما الأعمال التلفزيونية.
أزعم أن كثيرين في أنحاء العالم لا يعرفون ماهية الثقافة السعودية بقدر ما يعرفون صورها. لكن ما الذي يعرفونه عن ذاكرة المكان؟ فالمملكة زاخرة بالموروثات، ولعل وفرة ما تملكه من تنوع الحكايات وثراء الذاكرة الثقافية يضعها أمام المهمة الأصعب: التمثيل الثقافي؛ ذلك أنه جزء من عملية تعريف المجتمع بنفسه، فالثقافة لا تصل إلى العالم بالضرورة كما هي، بل كما تروى وتمثل. والإعلام والفنون والسينما والتلفزيون والمنصات الرقمية لا تكتفي بعكس هوية المجتمعات، وإنما تسهم في تشكيل الصورة التي تتكون عنها في أذهان الآخرين. بيد أن التمثيل وحده لا يكفي؛ فحين تعبر الثقافة من سياقها المحلي إلى الفضاء العالمي، تصبح أكثر تعقيدا، وهنا تبرز "الترجمة الثقافية" بوصفها نقلا للمعنى لا نقلا للرمز.
طرح الناقد والمفكر السعودي الدكتور سعد البازعي، مؤخرا، تصورا يجاوز التعريف بالثقافة إلى إنشاء بنية مؤسسية تتولى مهمة الإشعاع الثقافي. إذ اقترح تأسيس مركز سعودي "يشبه مركز غوته الألماني"، يعنى بتعريف العالم بالثقافة العربية المعاصرة ومنجزات الحضارة العربية الإسلامية، ويحتضن الطاقات العربية والإسلامية المؤهلة تحت مظلة ثقافية مستقلة. وهنا تلتقي فكرة "المركز" بفكرة "الترجمة الثقافية" فالمطلوب ليس مؤسسة تكتفي بعرض الثقافة السعودية والعربية للعالم، وإنما منظومة تعرف كيف تفكك رموزها وكنهها وتقرأ سياقاتها، وتعيد صياغة معانيها إلى لغات العالم.
ختاما، راكمت المملكة خلال السنوات الأخيرة منظومة واسعة من المؤسسات والمشاريع التي تعمل على إنتاج صورتها الثقافية وإبرازها، ولم تعد المسألة اليوم سؤالا عن وفرة المادة التي يمكن تقديمها للعالم، بل عن القدرة على جمع هذه المادة في سردية، وتحويل السردية إلى خطاب، والخطاب إلى حضور ثقافي عابر للقارات. فإذا كانت المملكة اليوم تملك من الإمكانات البشرية والمادية، والمشهد الثقافي المتنامي، فما الذي يمنعها من أن تكون مركزا وأنموذجا قارا لصناعة الصورة الثقافية السعودية والعربية وترجمتها إلى العالم؟
الترجمة الثقافية: هل نملك مشروعا متكاملا لرواية السعودية للعالم؟
نوف علي الزامل2 دقائق للقراءةحجم الخط
