في صاحب السمو الملكي والشعري الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز آل سعود شيء من الشعر قبل أن يقال الشعر، ذلك الحس الذي يعرف للكلمة مقدارها فلا يستهلكها، وللمعنى هيبته فلا يبتذله، وللعاطفة سترها فلا يعريها طلبا للإدهاش، وقد صحب سموه القصيدة أعواما حتى صار له فيها طبع لا يلتبس، كأن للكلمات بين يديه أدب مجلس؛ تعرف متى تتقدم، ومتى تسكت، ومتى تترك للصمت أن يقول بقيتها، ومن هنا جاء «شبيه الريح» اسما يليق بشاعر يمر بالمعنى خفيفا، ثم يبقى أثره بعد أن تعبر العبارة.

والموهبة عند عبدالرحمن بن مساعد أول الطريق لا آخره، فقد صنعت القراءة والمران وطول الصحبة مع العربية ذلك الاقتصاد الذي تراه في شعره، فلا يطارد الغريب ليدهش، ولا يكدس الصور ليبرهن أنه شاعر، ويأخذ اللفظة التي يعرفها الناس ثم يضعها في مكان لم يعرفوه لها، حتى يخيل إلى السامع أن اللغة نفسها كانت تخبئ هذا المعنى وتنتظر من يعثر عليه، وهذه أرفع مراتب السهولة؛ أن ترى البيت قريبا من يدك، ثم تحاول مثله فتدرك المسافة الطويلة التي قطعها صاحبه قبل أن يبدو بهذه البساطة.

وفي «مذهلة» يظهر هذا الفن في أنقى صوره، فسموه يقول «ما هي بس قصة حسن» ثم يترك الجمال خلفه كأنه أمر فرغ الوصف منه، ويذهب إلى ما وراء العين، إلى ذلك السر الذي يجعل حضور الإنسان أوسع من ملامحه، وهنا تعرف الفرق بين شاعر يصف الجميل وشاعر يبحث عن العلة التي جعلت الجمال نفسه قليلا على صاحبه، فالمفردة عند عبدالرحمن بن مساعد لا تؤدي وظيفتها ثم تنصرف، تحمل معها ظلا ثانيا، وربما ظلا ثالثا، وتظل في النفس بعد انتهاء البيت كأن لها تتمة لا تكتبها الحروف.

وهكذا في «البرواز» و«شبيه الريح»، يأخذ الأشياء من ظاهرها القريب ثم يردها إلى الناس وقد اتسعت، فيصبح البرواز أكثر من إطار، وتصير الريح أكثر من هواء عابر، ويصبح الاسم حالة من الحضور والغياب والاقتراب الذي لا يمسك، وهذه ليست لعبة بلاغية عابرة، هي طريقة في النظر، والشاعر الحق لا يخلق الأشياء من العدم، يزيل عنها غبار الألفة حتى نراها كأننا نلقاها لأول مرة، ولهذا تعيش بعض صوره خارج القصائد، تدخل كلام الناس وتفارق المناسبة التي ولدت فيها، وتلك شهادة لا يمنحها النقد بقدر ما تمنحها الذاكرة.

وللحب في شعر سموه كرامة ظاهرة، فالعاطفة عنده لا تفقد وقارها إذا اشتدت، والشوق لا يحول صاحبه إلى متسول على باب المحبوب، والحزن يحتفظ بهندامه حتى في أشد لحظاته وجعا، وكأن في القصيدة شيئا من طبع الأمير وشيئا من حياء الشاعر، ولهذا تأتي الرقة قوية، ويجيء الاعتراف مهذبا، ويظل العاشق قادرا على أن يحب كثيرا من غير أن يخسر نفسه، وهذه خصلة جعلت نصوصه الغنائية قريبة من القلب من غير أن تسقط في ابتذال العاطفة الذي أفسد كثيرا من شعر الغناء.

وقد امتحنت الموسيقى شعر عبدالرحمن بن مساعد امتحانها الصعب، فدخلت كلماته أصوات عبادي الجوهر ومحمد عبده وأصالة وغيرهم، وبقي اسم الشاعر حاضرا خلف اختلاف الحناجر، لأن النص الذي يعيش على صوت مؤديه وحده يبهت إذا سكت اللحن، أما النص الذي يحمل موسيقاه في داخله فيستطيع أن يعود إلى الورق كاملا، وسموه من أولئك الذين كتبوا للأغنية من داخل الشعر لا من خارجه، لذلك غنى الناس كلماته وبقيت للكلمة بعد الغناء حياتها الخاصة.

ولعل «شبيه الريح» أصدق ما استقر من الأسماء حول هذه التجربة، ففيه شيء من سموه وشعره معا؛ حضور لا يحتاج إلى ضجيج كي يرى، وأثر يعرف طريقه إلى الذاكرة، وخفة لا تعني العبور السريع، فقد تمر الريح لحظة وتظل الشجرة طويلا تدل عليها، وهكذا صنع عبدالرحمن بن مساعد مكانه في الشعر، لم يستعر للقصيدة مقامه، وأعطاها من القراءة والذوق والصنعة ما جعل لها مقاما يخصها، فبقي صاحب السمو الملكي في منزلته التي يعرفها أبناء هذه البلاد، وبقي «شبيه الريح» في المنزلة التي لا يهبها للشاعر إلا الشعر.