في كتاب «50 خرافة في علم النفس»، أورد المؤلف أكثر من 25 فيلما، يستشهد بها على أن السينما ساهمت، مع أسباب أخرى، في نشر معلومات أقل ما توصف بأنها خاطئة، وقد تصل إلى مستوى الخرافة في علم النفس، ومن ذلك ما اشتهر عن بطل فيلم «رجل المطر» الشهير، الذي كان يملك قدرة تذكر غير طبيعية، وصور بقدرات استثنائية في التذكر والحساب مرتبطا بشخصيته وحالته، وهي قدرات نادرة جدا ولا تمثل غالبية الأشخاص المصابين بالتوحد، وبحسب ما يورده الكتاب المذكور سلفا من الأدبيات والأبحاث في علم النفس والطب، ثبت أن مثل هذه الحالة استثنائية للغاية وتكاد لا تذكر، بينما يؤمل كل أب لديه طفل اضطراب توحد - شاهد الفلم - أن يكون طفله بذاكرة ريموند بابيت؛ وهو يتذكر دليل الهاتف المطبوع كاملا، ويحفظ أرقام الروليت التي تتسارع بطريقة يصعب على الإنسان العادي بل وغير العادي تذكرها. ورسخت فكرة أن الشخص المصاب بالتوحد قد يكون بالضرورة صاحب قدرة خارقة على الحفظ أو الحساب.

في هذا الكتاب يؤكد أن لبعض الأفلام السينمائية تأثيرا على المتلقي لدرجة أنها تصل لمستوى الاعتقاد «الخرافي» في الأشياء، بل وقد تنشئ جيلا قد يصدق بعض ما يحدث فيها أو يكاد. بل قد يقال: ارتكبت بعض الجرائم ظن أصحابها أن العبث بالأدلة الجنائية - كما ظهر في الأفلام - يمكن أن يكون وسيلة فعالة لإخفاء آثارها، ولكنها لم تؤت ثمارها بالواقع وسهل اكتشافهم، وأكثر من يعرف هذا هم متخصصو الأدلة الجنائية، حيث إنهم يعملون بالميدان بينما أبطال ومخرجو الأفلام يفعلون ما يجعل أفلامهم أكثر إثارة لا أكثر.

وعلى مستوى الطب، يرتكبون أخطاء طبية واضحة أجبرتهم عليها «الضرورة الإخراجية، والحبكة والإثارة»، وهي لا تمت إلى الطب بصلة؛ بل هي أخطاء طبية فادحة ومعلومات غير صحيحة. والناس - بفعل الإتقان السينمائي - يصدقونها؛ لأنهم غير متخصصين بها، هذا غير أنهم يريدون أن يصدقوها حتى تكتمل إثارة الفيلم في عقولهم بل لا يرغبون في مقاطعتها!

وأبرز ما يمكن أن تعبث به الأفلام السينمائية هي العقلانية والمنطقية في الأفكار والأحداث، فبسبب استرخاء المتلقي واستعداده للمتعة فإنه لا يحاول أن «يمنطق» الأشياء بل يعتبر المنطق والعقلانية إفسادا للإثارة في هذه الصناعة المثيرة، مع الإشارة إلى غياب الوعي أحيانا لدى بعض المتلقين وضعف الحس النقدي لدى بعضهم.

فإن عبثت هذه الأفلام بعلم النفس وساهمت ولو بشكل جزئي في نشر أكثر من 50 خرافة في علم النفس، كما أشار الكتاب الذي ذكرنا، فقد استطاعت أيضا أن تعبث ببعض الأجزاء من الخريطة الجيوسياسية للتاريخ، وتناولت بشكل مبتور الأحداث الكبرى، وأبرزت وجهة نظر واحدة، وخلقت من الهزائم انتصارات، ومنحت الفعل غير الإنساني تعاطفا غير مبرر، وتقديم نماذج غير واقعية عن الحياة الاجتماعية والحب والعواطف؛ بل وخلقت بشرا بقدرات خارقة غير منطقية تقارب الواقع لدرجة يمكن تصديقها مثل القفز ما بين المباني بسهولة قد يغري المراهقين على تعلمها!

ويمكن القول بإيجاز إن هذه الأفلام والمسلسلات ومع زيادة إثارتها وقدرتها الإخراجية الفائقة، والوسائل التقنية المتقدمة تمكنت من إعادة تشكيل (هذا أقل ما يقال عنها) المعتقدات والأفكار ورؤية الناس للوقائع التاريخية، وكل فيلم أو مسلسل متقن، قد يكون حكاية خاصة في عملية تزييف متقنة مقصودة وغير مقصودة ويبقى الوعي شريطة التلقي، وهذا ما تفقده شريحة كبيرة من المتلقين أخيرا: فالسينما لا تكمن خطورتها في أنها تكذب، وإنما في أنها قد تكذب بإتقان يجعل الكذب يبدو حقيقة، وهذه الحقيقة تؤثر في الناس وحياتهم اليومية.