لماذا يقلق البعض من اتفاقية لا تستهدف أحدا؟
أيمن التميمي2 دقائق للقراءةحجم الخط
منذ الإعلان عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعت قبل أيام بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، كان لافتا حجم الانزعاج الذي أبدته بعض الأطراف في المنطقة، وكأن الاتفاقية قد كتبت ضدها بالاسم!
بعضهم سارع إلى التقليل من أهميتها ووصفها بأنها مجرد «اتفاقية على الورق»، وآخرون ذهبوا إلى التشكيك في قدرة الدول الثلاث على تحويلها إلى تعاون دفاعي حقيقي وفاعل. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التوقف عنده، إذا كانت الاتفاقية لا تستهدف أحدا، وإذا كانت كما يقولون مجرد حبر على ورق، فلماذا كل هذا الانزعاج منها؟
واللافت فيما يتداول هذه الأيام أن جانبا من الأصوات المنتقدة للاتفاقية يأتي إما من دوائر قريبة أو متعاطفة مع المشروع الإيراني في المنطقة، أو من أطراف، مثل إسرائيل، ترى أن تقارب قوى إقليمية كبيرة بحجم السعودية وتركيا وباكستان من شأنه أن يخلق معادلة جديدة في توازن القوى في المنطقة.
اتفاقية مكة لا تعلن حربا على أحد، ومسؤولو الدول الثلاث أكدوا في أكثر من مناسبة أنها ليست موجهة ضد دولة بعينها. وهي في جوهرها اتفاقية دفاع وردع تجمع ثلاث قوى إقليمية كبيرة؛ السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، ومكانتها العربية والإسلامية، وتسليحها المتقدم؛ وتركيا بقوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية المتطورة؛ وباكستان بقدراتها العسكرية والاستراتيجية، وما تمتلكه من قدرات نووية. أما الرسالة التي تحملها الاتفاقية لأي طرف فهي في غاية البساطة: لا تعتد علينا، ولن يكون لديك ما تخشاه منا!
المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى مثل هذا النوع من التوازن، بعد سنوات طويلة عانت خلالها من التدخلات، والحروب بالوكالة، والميليشيات المسلحة، ومحاولات فرض النفوذ خارج إطار الدولة. والمفارقة أن بعض الذين لم يروا مشكلة في تمدد الميليشيات والجماعات المسلحة عبر حدود الدول، أو من يريد أن يبسط نفوذه في المنطقة أصبحوا اليوم شديدي الحساسية تجاه ثلاث دول ذات سيادة تتفق بصورة رسمية ومعلنة على الدفاع المشترك! والحال أن مثل هذا التقارب بين قوى إقليمية كبرى لا يفترض أن يكون مصدر قلق لمن يريد للمنطقة الأمن والاستقرار؛ بل يمكن أن يشكل حجر زاوية في بناء توازن إقليمي أكثر قدرة على حماية السلام وردع من يحاول الإخلال به.
أما النظام في طهران وميليشياته في المنطقة، وكذلك إسرائيل، فمن الطبيعي أن ينظر كل منهما إلى الاتفاقية بعين مختلفة؛ لأن قيام معادلة إقليمية جديدة ترفع من قدرة دول المنطقة على الردع ستغير بالضرورة حسابات القوة والمغامرة. ولذلك يبقى السؤال الأكثر منطقية قائما: لماذا تخاف من اتفاقية لا تستهدفك؟ فإن كنت تريد السلام وتحترم سيادة جيرانك، فلا شيء فيها يدعوك للخوف البتة. أما إذا أقلقك الردع، فربما المشكلة ليست في الاتفاقية، وإنما في الشيء الذي جاءت الاتفاقية لردعه!
