هل صنع الشريك الأدبي مجتمعا أدبيا مستداما؟
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
اختتمت مبادرة الشريك الأدبي موسما جديدا، واحتفت بتجاربها المتميزة في مختلف مناطق المملكة، مؤكدة حضورها بوصفها واحدة من أبرز المبادرات التي نجحت في نقل الأدب من فضائه التقليدي إلى المجال العام، عبر شبكة واسعة من الشركاء والأنشطة واللقاءات، وقد أسهم هذا التحول في توسيع دائرة المشاركة، وإيصال الأدب إلى شرائح جديدة من المجتمع، بما ينسجم مع الرؤية الوطنية الرامية إلى جعل الثقافة جزءا من الحياة اليومية، غير أن اكتمال مواسم متتابعة يمنحنا فرصة للانتقال من الاحتفاء بالمنجز إلى تأمل أثره، ومن قياس النشاط إلى قراءة التحول الذي أحدثه في البنية الثقافية للمجتمع.
فالمجتمع الأدبي لا يتكون بمجرد تزايد الأمسيات أو الندوات أو حفلات توقيع الكتب، وإنما ينشأ عندما تصبح القراءة ممارسة اجتماعية مستقرة، وتتحول الكتابة إلى فعل إنتاجي متجدد، وتنمو العلاقات بين الكاتب والقارئ والناقد والناشر والمؤسسة الثقافية ضمن منظومة تتغذى من ذاتها، ومن هنا يختلف الحراك الأدبي عن المجتمع الأدبي؛ إذ يرتبط الأول بزمن الفعالية، بينما يرتبط الثاني بتراكم الخبرة واستمرار الممارسة وتكوين الذاكرة الثقافية التي تمنح المشهد الأدبي قدرته على النمو الذاتي.
وقد نجحت المبادرة في توسيع مساحة الحضور الأدبي، واستقطاب شركاء متنوعين، وتقريب الكاتب من جمهوره، وهي خطوات مهمة في بناء البيئة الثقافية، غير أن هذه المرحلة تفتح أفقا جديدا للتفكير في طبيعة الأثر الذي ينبغي أن تسعى إليه المبادرات الوطنية؛ فنجاح أي مشروع ثقافي لا يكتمل عند حدود تنظيم الفعالية، وإنما يبدأ عندما تتحول تلك الفعالية إلى مشروع دائم ينتج قارئا جديدا، ويكتشف موهبة ناشئة، ويؤسس نادي قراءة مستمرا، ويحفز مشروعا بحثيا أو كتابا أو مبادرة قادرة على مواصلة حياتها بعد انتهاء الموسم.
ثم إن بناء المجتمع الأدبي يرتبط كذلك بقدرة كل منطقة على التعبير عن هويتها الثقافية الخاصة، فالمملكة تزخر بتنوع أدبي وتاريخي وجغرافي واسع، وتملك كل منطقة سرديتها، ورموزها، وذاكرتها، وأسئلتها، وتجاربها الإنسانية، وحين تصبح المبادرات الثقافية مساحة لاكتشاف هذا التنوع وإبرازه، فإنها تسهم في إنتاج مشهد أدبي أكثر ثراء وتوازنا، أما إذا تشابهت البرامج وتكررت الموضوعات والضيوف وآليات التنفيذ في مختلف المناطق، فإننا نكون قد وسعنا دائرة النشاط الثقافي، دون أن نستثمر الخصوصية التي تمنح كل مكان صوته الأدبي المميز.
ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع الأدبي المستدام يحتاج إلى مؤشرات تختلف عن مؤشرات النشاط، فعدد الفعاليات وحجم الحضور، وساعات التنفيذ عناصر مهمة في قياس الإنجاز التنفيذي، لكنها لا تكشف حجم التحول الثقافي. أما المؤشرات الأكثر عمقا فتتمثل في ازدياد معدلات القراءة، وظهور كتاب جدد، ونمو الأندية القرائية، واستمرار المبادرات المستقلة، واتساع الشراكات بين الجامعات والمدارس والجمعيات ودور النشر، وتكوين أرشيف معرفي يوثق التجربة ويجعل كل موسم يبني على ما سبقه، بدلا من أن يبدأ من نقطة البداية نفسها.
ولعل المرحلة المقبلة من الشريك الأدبي تمتلك فرصة مهمة للانتقال من نشر الأدب إلى بناء المجتمع الأدبي، ومن صناعة الحدث إلى صناعة الأثر، ومن إدارة الموسم الثقافي إلى تأسيس منظومة قادرة على إنتاج المعرفة ورعاية المواهب وتكوين الذاكرة الثقافية للمكان، وعندها يصبح نجاح المبادرة حاضرا في حياة الناس بعد انتهاء الفعاليات، وتغدو الثقافة ممارسة يومية تستمد استدامتها من المجتمع نفسه، وهو الأفق الذي ينسجم مع التحول الثقافي الذي تشهده المملكة، ويمنح الأدب دورا أعمق في تشكيل الإنسان وبناء المستقبل.
