قد تبدو علبة دواء متبقية في منزل أو كمية أدوية انتهت صلاحيتها في صيدلية أمرا بسيطا، لكن تكرار هذه الحالات على نطاق عام وواسع وشائع يحولها إلى فاتورة اقتصادية وبيئية وصحية تستحق التوقف عندها، بالإضافة إلى أنها قد تكون أمرا مرهقا في الحفاظ على الأمن الدوائي.
فالهدر الدوائي لا يعني فقط الأدوية منتهية الصلاحية، بل يشمل أيضا الإفراط في وصف وصرف الكميات، وتغيير العلاج قبل استكماله، وترك الأدوية بعد تحسن المريض، وسوء إدارة المخزون، والتخزين غير المناسب، إضافة إلى التخلص من الأدوية غير المستخدمة بطرق غير آمنة. أيضا هناك جانب آخر من الهدر الدوائي وهو في المصانع والنقل وفي المخازن بأنواعها. يبقى السؤال الأهم: كيف نحد من هذه الظاهرة؟
الحل يبدأ من الوصفة الطبية، فكلما كانت الكمية المصروفة أكثر دقة وارتباطا بحاجة المريض الفعلية، انخفضت احتمالات الهدر، كما أن التجارب الدولية تؤكد أهمية استخدام الأنظمة الرقمية في إدارة المخزون، وتحسين التنبؤ بالاحتياجات، ومراجعة الأدوية التي لا يحتاج إليها المرضى، وإنشاء برامج منظمة لاسترجاع الأدوية غير المستخدمة والتخلص منها بطريقة آمنة أو الاستفادة منها بطرق أخرى.
وفي المملكة، يمكن أن نذهب أبعد من ذلك من خلال إطلاق برنامج وطني متكامل للحد من الهدر الدوائي، تشارك فيه الجهات الصحية والصيدليات وشركات الأدوية، ويستند إلى البيانات والرقمنة والتوعية المجتمعية، مع دراسة أفضل السبل للاستفادة الآمنة من الأدوية التي تستخدم وفق ضوابط تضمن سلامة المرضى.
تقليل الهدر الدوائي ليس مجرد إجراء لتوفير المال، بل هو جزء من كفاءة الإنفاق الصحي وحماية البيئة وتعزيز الاستدامة، والحفاظ على الأمن الدوائي.
الدواء الذي يهدر اليوم هو مال وموارد وجهد يمكن أن تسخر لخدمة مريض آخر، ومكافحة الهدر الدوائي يجب أن تبدأ رغم صعوبتها، فالتقنيات والتوعية والمراقبة جميعها تساهم في بناء ثقافة راسخة في منظومتنا الصحية. أيضا الرقابة الصارمة على وصف الأدوية وصرفها ربما تكون عاملا مهما ومؤثرا في الحفاظ على هذه الموارد المهمة.
"الهدر الدوائي".. خفض الفاتورة الصامتة
برجس حمود البرجس2 دقائق للقراءةحجم الخط
