لم يعد من الممكن أن ننظر إلى الإنسان باعتباره كائنا تحركه أفكاره ومشاعره بمعزل عن جسده، فكل خوف نشعر به، وكل قرار نتخذه وكل رغبة تدفعنا نحو شيء أو تبعدنا عنه تقف وراءها شبكة معقدة من العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الدماغ والجهاز العصبي، ومن هنا يأتي علم النفس البيولوجي أو علم الأعصاب السلوكي كما يطلق عليه، كمحاولة لفهم العلاقة الدقيقة بين ما يحدث داخل أجسادنا وبين الطريقة التي نفكر ونتصرف ونشعر بها.
الفكرة الأساسية في هذا المجال بسيطة في ظاهرها لكنها شديدة التعقيد عند التعمق فيها؛ فالعقل ليس منفصلا عن الجسد، والمشاعر والأفكار والسلوكيات ترتبط بنشاط عصبي وهرموني وكيميائي مستمر، فعندما يشعر الإنسان بالخوف على سبيل المثال لا يكون الأمر مجرد فكرة عابرة في رأسه بل تبدأ سلسلة من الاستجابات داخل الدماغ والجسم، فيتغير معدل ضربات القلب والتنفس والانتباه، ويصبح الجسد مستعدا للمواجهة أو الهروب، وهنا يتحول الشعور النفسي إلى تجربة بيولوجية كاملة، تلعب مناطق مختلفة من الدماغ أدوارا متداخلة في هذه العملية، فالجهاز الحوفي بما يضمه من تراكيب مثل اللوزة الدماغية والحُصين يرتبط ارتباطا وثيقا بمعالجة الانفعالات والذكريات.
في المقابل، تؤدي قشرة الفص الجبهي دورا مهما في التخطيط واتخاذ القرارات وضبط الاندفاعات، وهذا يفسر جزئيا لماذا قد نعرف أحيانا أن تصرفا معينا غير مناسب، ومع ذلك نجد أنفسنا مندفعين نحوه! فالسلوك الإنساني ليس نتيجة منطقة واحدة في الدماغ، بل هو نتيجة حوار مستمر بين أنظمة عصبية متعددة، حيث تدخل النواقل العصبية أيضا في تشكيل هذا الحوار، فالدوبامين يرتبط بالتعلم القائم على المكافأة والتحفيز وتوقع النتائج، بينما يشارك السيروتونين في عدد من العمليات المتعلقة بالمزاج والنوم والشهية وغيرها، لكن من الخطأ اختزال الإنسان في معادلة من نوع دوبامين مرتفع يعني سعادة أو سيروتونين منخفض يعني اكتئاب، فالدماغ أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، والنواقل العصبية لا تعمل منفردة بل ضمن شبكات متداخلة تتأثر بالجينات والخبرات والبيئة والحالة الجسدية.
لعل من أكثر المفاهيم إثارة في علم الأعصاب الحديث مفهوم اللدونة العصبية، فقد اتضح أن الدماغ ليس عضوا جامدا يتوقف عن التغير بمجرد وصول الإنسان إلى مرحلة البلوغ، بل يستطيع أن يعيد تنظيم بعض دوائره استجابة للتعلم والخبرة والتدريب، بل وحتى بعد بعض الإصابات، وهذا يعني أن التجارب التي نمر بها لا تؤثر في أفكارنا فقط وإنما يمكنها أن تترك آثارا في طريقة عمل الدماغ نفسه، ولهذا السبب أصبح فهم الدماغ مهما في دراسة الاضطرابات النفسية أيضا، فالاكتئاب والقلق واضطرابات أخرى لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، وإنما تنتج غالبا عن تفاعل معقد بين الاستعداد البيولوجي والخبرات النفسية والظروف الاجتماعية، وقد ساعد هذا الفهم على تطوير وسائل علاج متعددة تجمع بين الأدوية والعلاج النفسي والتدخلات السلوكية وغيرها.
لكن أخطر خطأ يمكن الوقوع فيه هو الاعتقاد بأن الدماغ يفسر الإنسان بالكامل، فالإنسان ليس مجرد مجموعة من الخلايا العصبية والنواقل الكيميائية، بل البيئة التي نشأ فيها وطريقة تربيته وعلاقاته وثقافته، وذكرياته، وحتى المعاني التي يمنحها للأحداث كلها تدخل في تشكيل سلوكه، ولذلك العلاقة بين الدماغ والسلوك ليست علاقة ميكانيكية بسيطة، فليست هناك منطقة واحدة مسؤولة عن الحب أو زر عصبي ينتج الغضب أو مادة كيميائية واحدة تحدد شخصية الإنسان، ما يحدث في الحقيقة هو تفاعل مستمر بين البيولوجيا والتجربة.
وربما تكمن أهمية علم النفس البيولوجي الحقيقية في أنه لا يخبرنا فقط لماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها، بل يفتح سؤالا أكثر عمقا وهو إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يغير نفسه إذا كان دماغه نفسه قادرا على التغير؟
فكل تجربة نتعلم منها وكل عادة نكررها وكل مهارة نكتسبها قد تترك أثرا في هذا العضو شديد التعقيد، ولذلك فإن دراسة الدماغ ليست مجرد محاولة لفهم عضو داخل الجمجمة، وإنما هي محاولة لفهم واحد من أكثر الأسئلة غموضا في الوجود، فكيف تتحول المادة إلى شعور، والنشاط العصبي إلى فكرة، والفكرة في النهاية إلى سلوك يصنع جزءا من قصتنا الإنسانية؟!
علاقة الدماغ بالسلوك والدوافع.. نظرة متعمقة في علم النفس البيولوجي
نيفين عباس3 دقائق للقراءةحجم الخط
