في عالم تتزايد فيه التحديات الأمنية والحروب غير التقليدية، لم تعد قوى الدول تقاس بقدرتها العسكرية والاقتصادية أو حتى السياسية فحسب، بل بقدرتها على توظيف عناصر قواها الناعمة والرمزية لحمايه مصالحها وتعزيز استقرارها.

المملكة أثبتت خلال الأزمات الإقليمية الأخيرة، أنها تتبنى منهجا يقوم على ضبط النفس وحماية الأمن الوطني والتمسك بالشرعية الدولية، مع إدراك لأهمية موقعها الديني والاقتصادي العالمي.

من أبرز عناصر القوة التي تمتلكها المملكة مكانتها المرتبطة بالحرمين الشريفين. هذه المكانة تمنحها رصيدا روحيا وحضاريا يمكن توظيفه في إطار دبلوماسي وإعلامي لتأكيد أن أمن المملكة ليس قضية وطنية فقط، بل يرتبط باستقرار ملايين المسلمين حول العالم الذين ينظرون إلى أرضها باعتبارها رمزا دينيا جامعا.

ومن هنا يبرز مقترح بناء استراتيجية إعلاميه دبلوماسية تستفيد من هذه المكانة في توعية الرأي العام الإسلامي بخطورة الاعتداء على المملكة أو تهديد أمنها وسلامة اقتصادها من خلال خطاب يركز على حرمة الدماء وأهمية حماية المقدسات ورفض الاستهداف كونها بلدا آمنا وحامية للمقدسات بفضل استقرارها واقتصادها.

ويمكن أن تتكامل أدوار وزارة الإعلام ووزارة الخارجية والمؤسسات الدينية والمؤثرين في بناء رسائل موجهة تصل إلى المجتمعات الإسلامية بلغاتها المختلفة بعيدا عن التحريض وبما يعزز إيجاد ضغط سياسي (ناعم) على كل من يفكر في استهداف أراضيها.

أما المقترح الثاني؛ فيرتبط بالبعد الاقتصادي فقد أصبحت استهدافات البنية الاقتصادية جزءا من أدوات الضغط في الصراعات، إذ تسعى بعض الجهات إلى خلق انطباع بعدم الاستقرار بهدف التأثير على القرارات أو بهدف فتح مزيد من عمليات التفاوض. وذلك يمكن بحث إنشاء مركز اقتصادي إقليمي جديد في المدينة المنورة، مستفيدا من مكانتها الدينية والأمنية ليكون إضافة استراتيجية إلى منظومة الاقتصاد الوطني.

إن نقل أو استضافة المراكز الإقليمية للشركات الدولية التي تستضيفها المملكة لبناء اقتصادها وتنوعه في المدينة المنورة لا يعني إضعاف دور الرياض الاقتصادي بل يمثل توزيعا ذكيا للمخاطر وتعزيزا لجاذبية المملكة كمركز أعمال، فالمدينة المنورة تمتلك رمزية فريدة يصعب استهدافها أو تهديدها وخاصة أن محاور الخطر التي تحيط بالمملكة (للأسف) تنتمي للدين الإسلامي.

إن التحديات الكبرى تحتاج إلى حلول تتجاوز الأدوات التقليدية، فالمملكة تمتلك عناصر قوة استثنائية، وتوظيف هذه العناصر ضمن استراتيجية وازنة وذكية يمكن أن يحول الضغوط إلى فرص، ويعزز قدرة المملكة على حماية مصالحها وأمنها واستقرارها.