في فلسفة المظاهر وتحولات المروءة ثمة خيط رفيع ولكنه حاسم يحدد المسافة بين "الكرم" بوصفه فضيلة أخلاقية وإنسانية راسخة وبين "المباهاة" بوصفها عرضا نفسيا وسلوكا استعراضيا طارئا، فالكرم في جوهره ستر ورفعة وعطاء يبتغي وجه الإحسان وصيانة كرامة الضيف، بينما الاستعراض تكشّف واستجداء لإعجاب الآخرين وتحويل النعمة إلى مسرح لترميم الشغف بالظهور.

إن ما نلاحظه في الآونة الأخيرة في بعض الأوساط الرجالية من مبالغات جلية في إقامة الولائم واختراع مناسبات بلا دواعي واقعية، وتسخير منصات التواصل العدسية لإشاعة ثقافة "التفاخر والاستعراض" ليس مجرد سلوك فردي عابر يمكن غض الطرف عنه أو التعامل معه بأريحية مجتمعية بل هو تشويه صريح لمفهوم المروءة وإرباك للمنظومة القيمية التي قامت عليها مجتمعاتنا

بذور الانحراف في المفهوم والسلوك

لقد انقلبت الوظيفة الاجتماعية للمناسبة، فبعد أن كانت فرصة للتواصل الإنساني وتقوية أواصر القربى وإشاعة التآلف أصبحت لدى البعض "منصة لإثبات الذات" عبر التنافس في مظاهر السرف واستعراض (تلال اللحوم فوق الصحون) والهدر غير المبرر، وهذه الممارسات تصدر عن حالة من الشغف بالتفوق الصوري، وتنم عن اتكال ملحوظ على الشكليات لتعويض الحضور المعنوي أو الفكري!

ومما يضاعف من خطورة الظاهرة ذلك الاقتران الشرطي بين "المناسبة" و"العدسة" فلم يعد الهدف إكرام الحاضر، بل إبهار الغائب. وصار القياس ليس رضا الضيف ولا صدق المودة بل عدد المتابعات ودرجة الانتشار على الشاشات الرقمية! هذا التحول الجوهري جعل من النعمة أداة للمباهاة ومن المناسبة استنزافا اقتصاديا ونفسيا يضغط على الميزانيات ويؤصل لثقافة التكلف.

ديناميكية العدوى من الفضاء الرجالي إلى المجال النسائي

إن الخطورة الحقيقية لهذا السلوك لا تتوقف عند حدود الفضاء الرجالي الذي أنتجها بل في قدرتها السريعة على الانتقال والعدوى؛ فالمرأة بطبيعتها ومكانتها المركزية في إدارة الشأن الاجتماعي والأسري ترصد هذه التحولات وتتأثر بالمناخ العام الذي يصنعه المجتمع، ومع التحولات الحديثة التي أتاحت للجانب النسائي استقلالية أكبر في تنظيم التجمعات والمناسبات الخاصة وقدرة لوجستية ومالية على إدارة لقاءاتهن بمعزل عن الترتيبات التقليدية فإن خطر تسرب هذه "الفلسفة الاستعراضية" إلى الفضاء النسائي بات وشيكا إن لم يكن قد بدأ بالفعل!!

وإذا ما انتقلت جرثومة التباهي والتنافس إلى مجالس النساء فإن كلفة التدارك ستكون باهظة جدا لأسباب عدة:

1- تضاعف الكلفة الاقتصادية: التنافس في التفاصيل الدقيقة والمظهرية لدى الجانب النسائي يأخذ غالبا طابعا أكثر تعقيدا وكلفة، مما يثقل كاهل رب الأسرة ويستنزف مدخراتها في أوجه لا طائل منها.

2- تحول المظهر إلى معيار اجتماعي: متى ما استقرت المبالغة كعرف نسائي أصبحت إقامة المناسبات البسيطة عيبا تلام عليه صاحبتها، مما يفرض حالة من الحرج الاجتماعي على الأسر متوسطة الدخل.

3- تغليب الشكليات على الروابط: تتحول الاجتماعات من مساحة للتواصل العاطفي والدعم المتبادل إلى ميادين للتقييم والتنافس والمقارنات المؤلمة.

تحذير استباقي قبل فوات الأوان

نحن يقينا أمام لحظة مفصلية توجب وضع النقاط على الحروف دون مواربة. إن استمرار السلوك الاستعراضي لدى الرجال يبعث بركام من الرسائل الخاطئة للجيل الجديد وللشريك في الأسرة مفادها أن "القيمة الإنسانية تقاس بمقدار ما تنفقه وتستعرضه أمام الكاميرات".

وهنا أقف لأدعو دعوة صريحة للرجوع إلى أصالة المفهوم ورصانة التصرف، فعلى الرجال مسؤولية القدوة وأن يدركوا أنهم يضعون المعايير الأخلاقية والسلوكية لمحيطهم. فالرصانة في الإنفاق والتواضع في الإكرام وصيانة النعمة من الهدر هي أفعال ترسخ القدوة الحسنة وتصون البيت والمجتمع.

وعليهم مسؤولية إعادة الاعتبار لجوهر المناسبات من خلال فصل القيمة الاجتماعية للإنسان عن مظاهر البهرجة الشكلية والتركيز على الروابط الإنسانية الصادقة وتجنب التصوير الاستعراضي الذي يخدش العطاء ويبطل مقاصده

وعليهم الاستدراك قبل انفراط العقد؛ فالسلوكيات الاجتماعية تشبه "حبات السبحة" إذا انفرطت من عقال العقل والرصانة في جانب سرعان ما تتساقط في الجوانب الأخرى. والاستدراك في بداية المنحنى أيسر بكثير من محاولة إصلاح ما أفسده التنافس بعد أن يتحول إلى عادة مجتمعية متجذرة.

أخيرا: إن حماية المجتمع من شوائب المظاهر ليست خيارا ثانويا بل هي ضرورة لحفظ التوازن الاقتصادي والقيمي للأسرة، والكريم الحقيقي هو من يملك زمام نفسه ويصون نعمته ويجعل من بيته ومناسباته ملاذا للدفء والتواضع لا مسرحا للمفاخرة والمباهاة، لنعد إلى رصانتنا ولنكن القدوة التي تحمي مجتمعنا من الاستغراق في الشكليات قبل أن يسبق السيف العذل.