الشرق الأوسط.. من يحكم من؟
عبداللطيف محمد الحميدان4 دقائق للقراءةحجم الخط
لم يعد الشرق الأوسط ينتظر من يرسم له خرائط النفوذ. فالمنطقة التي عاشت عقودا تحت سقف التحالفات الكبرى بدأت تكتب قواعدها بطريقة مختلفة. لم تعد واشنطن قادرة على افتراض أن الشراكة الأمنية تعني بالضرورة تبعية سياسية. ولم تعد بكين بحاجة إلى تحالف عسكري كي تصبح حاضرة في الحسابات الاستراتيجية. كما لم تعد العواصم الإقليمية ترى أن عليها الاختيار بين الشرق والغرب. لقد بدأ زمن آخر، زمن لا تسأل فيه الدول مع من تقف بقدر ما تسأل ماذا تكسب ولماذا ومتى يمكنها تغيير موقعها.
هذه ليست نهاية التحالفات، إنها نهاية التحالف بوصفه قدرا سياسيا.
لعقود كان الشرق الأوسط قابلا للقراءة من خلال محاور واضحة نسبيا. الولايات المتحدة وحلفاؤها في جانب. وإيران وشبكة نفوذها في جانب آخر. وبينهما دول تحاول حماية مصالحها ضمن هوامش ضيقة. أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيدا. الدولة قد تعتمد على واشنطن أمنيا وتتجه إلى الصين تجاريا وتنسق مع خصم إقليمي سياسيا وتختلف مع حليفها التقليدي في ملف آخر. وما كان يعد تناقضا في الماضي أصبح اليوم جزءا من مفهوم جديد للاستقلال الاستراتيجي.
لهذا فإن التحول الأعمق هنا ليس في أسماء القوى بل في فلسفة العلاقات بينها. الشرق الأوسط ينتقل تدريجيا من سياسة المحاور إلى سياسة الملفات. لم يعد هناك حليف كامل كما لم يعد هناك خصم كامل. لأن هناك مصالح تتقاطع ثم تفترق. وهناك شراكات لا تحتاج إلى تطابق سياسي. وهناك خصومات لم تعد تمنع التفاوض حين تصبح كلفة المواجهة أعلى من مكاسبها.
ولهذا فإن السؤال عن تراجع الولايات المتحدة أو صعود الصين قد يكون أقل أهمية من سؤال آخر. هل أصبحت دول المنطقة نفسها أكثر قدرة على رفض الاختيار بينهما؟
نظرا لأن واشنطن ستظل قوة عسكرية وأمنية يصعب تجاوزها. والصين ستزداد حضورا بحكم الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. لكن القوة الحقيقية للدول الإقليمية ستقاس بقدرتها على التعامل مع الطرفين من دون الارتهان لأي منهما. لأن من يستطيع الحصول على الأمن من الغرب والاستثمار والتجارة من الشرق مع الاحتفاظ بقراره السياسي يملك هامشا استراتيجيا لم يكن متاحا بالقدر نفسه قبل عقدين.
وفي قلب هذا التحول تتنافس قوى إقليمية مختلفة الأدوات. دول الخليج تمتلك المال والطاقة والاستثمار والقدرة المتزايدة على الوساطة. تركيا تجمع بين القوة العسكرية والاقتصاد والموقع الجغرافي. إسرائيل تمتلك تفوقا عسكريا وتكنولوجيا لكنها تواجه سؤالا متزايدا حول قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج بيئة إقليمية مستقرة. إيران تمتلك خبرة طويلة في بناء النفوذ والردع لكنها تواجه كلفة متزايدة للحفاظ عليه. ومصر رغم ضغوطها الاقتصادية تظل مهمة بسبب الجغرافيا والسكان وموقعها في معادلات فلسطين والبحر الأحمر والعالم العربي.
لهذا ربما لا أحد من هؤلاء قادر منفردا على حكم الشرق الأوسط.
وهذه تحديدا هي الحقيقة التي ستصنع المرحلة المقبلة. فالمنطقة لا تتجه نحو زعامة دولة واحدة بل نحو توازن بين مراكز قوة متعددة. دولة تقود في الطاقة، وأخرى في الأمن، وثالثة في التجارة واللوجستيات، وأخرى تملك قدرة التعطيل أو الردع. لذلك ربما لن يكون النفوذ المقبل هرميا بقدر ما سيكون موزعا بين الملفات.
غير أن هذا النظام يحمل مفارقة خطرة. فكلما ازدادت حرية الدول في تغيير شراكاتها ازدادت صعوبة توقع سلوكها. لأن التحالفات الثابتة كانت تقيد القرار لكنها كانت تجعل حدود الصراع أكثر وضوحا. أما المصالح المتحركة فتمنح حرية أكبر لكنها تنتج منطقة شديدة السيولة يمكن فيها لشريكين اقتصاديين أن يصبحا خصمين أمنيين وأن يعودا إلى طاولة التفاوض في اليوم التالي.
لهذا فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط الجديد لن تكون فقط على الأرض أو النفط أو الممرات البحرية. بل ستكون على استقلال القرار.
الدولة الأقوى لن تكون بالضرورة من تمتلك أكبر جيش، بل من تمتلك أكبر عدد من الخيارات، ومن تستطيع أن تقول لا لحليفها من دون أن تخسره، وأن تتفاوض مع خصمها من دون أن تخضع له، وأن تتعامل مع القوى الكبرى من موقع الشريك لا من موقع الساحة.
وهنا يكمن التحول التاريخي الذي يستحق الانتباه. فالشرق الأوسط الذي كان لعقود ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى يحاول أن يصبح منطقة تتفاوض معها تلك القوى. والفرق بين الحالتين هائل. ففي الأولى يملك الآخرون الخيارات وتتحمل المنطقة النتائج. وفي الثانية تحاول عواصم المنطقة أن تمتلك خياراتها وأن تجعل الآخرين يحسبون حساب مصالحها.
لذلك فإن الإجابة عن سؤال من يحكم الشرق الأوسط الجديد قد تكون أكثر تعقيدا من اسم دولة أو قوة عظمى. لا أحد يحكمه بالكامل. وربما لن يستطيع أحد ذلك.
من سيصنع الشرق الأوسط المقبل هو من يفهم قبل غيره أن القوة في هذا العصر ليست أن تملك حليفا لا تستطيع الاستغناء عنه، بل أن تملك من البدائل ما يجعل الآخرين غير قادرين على الاستغناء عنك.
